إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً﴾ ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾. ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾.
فقد تأذنت إرادة الله تعالى أن تختم رسالات السماء، برسالة إنسانية عالمية، فكانت رسالة نبينا محمد ﷺ هداية ربانية للعالمين، أتمَّ الله تعالى بها النعمة على الأمة، ورضيها لها ديناً: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾، وجعلها الله تعالى روحاً ونوراً للبشرية، إذ أن الحياة الحقيقية تتوقف على الروح، والهداية تتوقف على النور الذي يضيء الطريق لهذا الإنسان، فيسلكه وهو يبصر سرَّ وجوده وغايته: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور﴾.
(1) سورة المائدة، الآية: 3.
(2) سورة الشورى، الآيتان: 52 و53.
وقد جمعت هذه الرسالةُ الأمةَ كلها بعد تفرق وتمزق وشتات، ومنحتها العزة والكرامة الحقيقية بعد أن كانت مستذلَّةً لشهواتها أو لأعدائها، بصورة من الصور، ورَفَعَتْها إلى آفاق عالية ومكانة سامية بعد أن تردَّتْ في مهاوي الضلال والضياع، فلم يكن عجباً أن يمتنَّ الله تعالى عليها بهذه الوحدة وذاك التآلف للقلوب الذي جعلهم إخواناً، وبهذه الرفعة والإنقاذ: ﴿واذكروا نِعْمَة الله عليكم، إذْ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾. وقد كانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد ﷺ، أهلَ كفر في تفرقهم واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور: الكفر بالله وابتداع ما لم يأذن به الله! حتى بعث الله تعالى محمداً ﷺ، برسالته العامة الخالدة، فبلَّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين من ربه تبارك وتعالى، وترك هذه الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يجنح عنها إلا من سَفِه نفسه. ومن تمام النعمة، التي أنعمها الله على هذه الأمة، نِعْمَةٌ أخرى، حفظ الله تعالى بها دينه ووحيه المتلوّ، وهو القرآن الكريم: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، ومن مقتضيات هذه النعمة أن يحفظ الوحي غير المتلو، وهو السنة النبوية، من خلال جهد أولئك العلماء الأتقياء وجهادهم، وهم الذين ينفون عن هذا الدين تحريف المحرفين والمخرّفين، وغُلوَّ الغالين، وتأويل المبطلين، لتبقى هذه الأمة على الجادة من الطريق المستقيم، لا تتفرَّق بها السُّبُل ولا تتنازعها الأهواء: ﴿وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتّبعوا السُّبُلَ فتفرَّق بكم عن سبيله،
(1) سورة آل عمران، الآية: 103.
(2) سورة الحجر، الآية: 9.
ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون﴾. وما أقسىٰ الوعيد! وما أشدَّ التهديد عندما تتنكب الأمة الطريق وتتبع غير سبيل المؤمنين: ﴿ومن يشاقِق الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّىٰ ونُصْلِه جهنم، وساءت مصيراً﴾.
❊ ❊ ❊
ولقد كانت هذه الأمة في عصورها الأولى مستمسكة بما أوحىٰ الله تعالى إليها، معتصمة بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ بعيدة عن كل انحراف أو اختلاف في العقيدة وأصول الدين، رغم ما قد يقع من خلاف بينها في بعض المسائل الفرعية أو الأحكام الفقهية، وكانت أبعد ما تكون عن البدعة ومخالفة السنة، وكلاهما يغلق أبواب الرحمة، وكلما اقتربنا من عصر الوحي والتنزيل، ابتعدنا عن البدعة وعن الاختلاف والتفرق في الدين، تماماً كما نجد في انحراف البشرية عن التوحيد الذي بعث الله تعالى به رسله، عندما يطول عليها الأمد، فيبعث الله تعالى واحداً من رسله الكرام ليعيد الناس إلى توحيد الله تعالى وعبادته. وكذلك يبعث الله تعالى لهذه الأمة، كلما ابتعدت عن السنة، من يعيدها إليها، ويصحح لها ما قد تقع فيه من انحراف في التصور أو السلوك، هذا الانحراف الذي ينشأ بسبب جملة من العوامل الداخلية النفسية في كيان الأمة، والعوامل والمؤثرات الخارجية الأجنبية عنها، وما أكثر ما تضافرت هذه العوامل وتجمعت، فكان لها من الأثر ما كان، ولولا أنَّ الله سبحانه وتعالى قد تكفل ببقاء هذا الدين وحفظه — وقد هيأ الأسباب أيضاً لذلك كله — لأصبح أثراً بعد عين، لكثرة ما لاقىٰ من الكيد والهجمات على كل صعيد وفي كل زمان، ولكن الله غالب على أمره:
(1) سورة الأنعام، الآية: 153.
(2) سورة النساء، الآية: 115.
﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون﴾. ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾. ﴿إنهم يكيدون كيداً، وأكيد كيداً، فمهِّل الكافرين أمهلهم رويداً﴾.
❊ ❊ ❊
وفي القرن الخامس الهجري، وفي بلاد الموصل بالعراق، عاش الشيخ عدي ابن مسافر الأموي الهكاريّ، رحمه الله تعالى، وكان عالماً فاضلاً، من أفاضل عباد الله الصالحين، وأكابر المشايخ المتّبعين، وله في الأمة صيت مشهور، وذكْرٌ حسن، وقد كتب الله تعالى له القبول بين الناس، وكان له فيهم تأثير، وبعد وفاته، رحمه الله، نشأت فرقة غالية، جاوزت الحدَّ في تعظيمها للشيخ عدي، وغالت غلوّاً كبيراً، يخالف أصول العقيدة الإسلامية، والتي كان عليها شيخهم عديّ نفسه. فكان من الواجب على علماء المسلمين، من ذوي العقيدة الصحيحة، أن يقوموا بتصحيح الانحراف وردِّ الجامحين عن الحقِّ إلى جادة الطريق المستقيم، وقد قام بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فكتب رسالة إلى أتباع عدي بن مسافر، يذكِّرهم فيها بما كان عليه سلفهم من المشايخ الذين يقتدون بهم وينتمون في الطريقة إليهم، ويبين لهم ما ينبغي أن يكونوا عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة ويحذرهم من أسباب الضلال، ليحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
(1) سورة الصف، الآية: 8.
(2) سورة التوبة، الآيتان: 32، 33.
(3) سورة الطارق، الآيات: 15 – 17.
(4) سنلمع – بإذن الله تعالى – إلى هذا في ترجمة الشيخ عدي، فيما سيأتي، أنظر: ص (25) من هذه الرسالة.
وقد عرفت هذه الرسالة باسم «الوصية الكبرىٰ»، وهي في الجزء الثالث من مجموع فتاوىٰ شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، المطبوع في الرياض بترتيب الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، رحمه الله، وفي المجلد الأول من مجموعة الرسائل الكبرى. ولما لهذه الرسالة النفيسة من أهمية بالغة في إلقاء الضوء علىٰ أدب علمائنا في المناصحة، ولما تتضمنه من أفكار في العقيدة الإسلامية، ينبغي أن يعرفها كل مسلم، ولما فيها من الحث على التمسك بالسنة، مع بيان آثار المخالفة عنها، ولأهمية ما عرضه شيخ الإسلام من أصول الضلال، التي ينبغي على المسلم أن يحذرها، رأينا أن نفردها بهذه النشرة المستقلة، تعميماً للفائدة، وتصحيحاً لما نجده من أفكار انتشرت في عصرنا هذا، واستشرت بين كثير من المسلمين، شبيهة بما عالجه شيخ الإسلام في رسالته وبما واجهه فيها. وسنلمع فيما يأتي — إن شاء الله تعالى — إلى مضمون هذه الرسالة بخطوط عريضة، وإشارات سريعة، تعطي فكرة كلية موجزة عن مجمل أفكارها، ثم نشير إلى طريقة عملنا في إخراجها، يعقب ذلك فقرتان، نترجم فيهما ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وللشيخ عدي بن مسافر، رحمهما الله تعالى، ومن الله تعالى نستمد العون والتوفيق.
★ استهلّ شيخ الإسلام رسالته، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، ببيان فضل الله تعالى على البشرية ببعثة محمد ﷺ، وأثر هذه البعثة في هذه الأمة التي جعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس، كما جعلها الأمة الشاهدة على سائر الأمم، والرائدة لها. ★ وامتازت هذه الأمة بأن خصَّها الله تعالى بالشرعة والمنهاج الذي جعله لها، فقد بُعث النبي ﷺ بأمرين هما: أصول الإيمان، والشريعة، إذ أن كل دين من عند الله تعالى يتضمن عقيدة وشريعة تنظِّم حياة الناس. ومن خصائص هذه الأمة أن الله تعالى عصمها من أن تجتمع على ضلالة، وجعل من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ومن هنا امتاز أهل الحق من هذه الأمة من أهل السنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يُعْرِضون عن سنة رسول الله ﷺ وعن جماعة المسلمين. ★ وهنا يبين، رحمه الله، سمات هذه الطائفة المتمسكة بالكتاب والسنة، وهي الطائفة الناجية، ومن أهم سماتها «الوسطية» فهم وسط في النِحَل، كما أن الإسلام وسط في الملل. — فالمسلمون وسط في: أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، فلم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، ولم يجفوا عنهم كما جفت يهود. ○ وهم وسط في: شرائع دين الله، فلم يحرِّموا على الله أن ينسخ ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت، كما قالت اليهود، ولا جوّزوا لأكابر علمائهم أن يغيّروا دين الله فيأمروا بما شاؤوا وينهوا عما شاؤوا كما يفعله النصارى. ○ وهم وسِط في باب الخلق والأمر.. وفي صفات الله تعالى.. وفي باب الحلال والحرام.. إلخ.
— وأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق، وتظهر هذه الوسطية والاعتدال في أبواب العقيدة والشريعة كلها: ○ فهم في الأسماء والصفات: وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل. ○ وهم في باب الخلق والأمر: وسط بين المكذبين بقدرة الله وبين المفسدين لدين الله الذين يعطِّلون الأمر والنهي والثواب والعقاب. ○ وفي باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد: وسط بين الوعيدية وبين المرجئة. ○ وهم في أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم: وسط بين الغالية وبين الجافية. ○ وكذلك في سائر «أبواب السنة» هم وسط، لأنهم متمسكون بالكتاب والسنة وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. ★ ثم يلتفت إلى أتباع عدي التفاتة فيها إشادة وثناء وتذكير بسلفهم الصالح، الذين لم يخرجوا في أصول الاعتقاد عن أهل السنة والجماعة، التفاتة رائعة يضعهم، من خلالها، على طريق الإسلام الصحيح. ثم يعود — استطراداً — إلى ضرب أمثلة أخرى عن وسطية الإسلام وتوازنه، محذراً من نزغات الشيطان الذي يحرف الناس عن الهدى والحق ويعترض طريقهم حتى يخرجهم عن كثير من شرائع الدين، بواحد من أمرين: الإفراط أو التفريط، ويضرب بعض الأمثلة على ذلك من الواقع التاريخي للمسلمين في عصور مختلفة. ★ وتلك الخطوة تسلمنا إلى تاليتها، بشكل منطقي، فيعقد فصولاً ثلاثة يفصّل فيها ما أجمله من أصول الضلال والبدع والباطل، التي ابتدعها من ينتسب إلى السنة، وقد مرق منها، وصار من أكابر الضالّين: أ — الفصل الأول: الاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، في أبواب العقائد، وفي الصفات بخاصة، مما يؤدي إلى الكفر، وقد جاء رحمه الله، على كثير من الأحاديث الباطلة في هذا الباب، ونبَّه على ما فيها، مميِّزاً بين الحق
والباطل، وقد أفاض في رؤية الرب تبارك وتعالى، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة من خلال الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة، وردَّ على الذين يزعمون رؤية الله تعالى بأبصارهم في الدنيا من الحلولية وغيرهم. ب — الفصل الثاني: الغلو في الأشخاص أو في الأفكار، وقد كان هذا الغلو أول أسباب الضلال والشرك وأكبرها، وقد ذكر الله تعالى غلوَّ قوم نوح في صالحيهم، وغلوّ اليهود والنصارى في أنبيائهم... وكذلك ما رأيناه من غلو بعض الفرق الذين غلوا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو في غيره: كالحلاج والحاكم الفاطمي، والشيخ عدي... إلخ ويذكر أن بعض الفرق ضلَّت بغلوها في الدين وإفراطها فيه، ومنهم من ضلَّ بسبب غلوه في فهم آيات الوعيد مثلاً كالخوارج. ومرة أخرى يعود، رحمه الله، خلال هذا الفصل ليدعو إلى الاعتدال والاقتصاد في السنة واتباعها، ويقصد بالسنة أبواب الاعتقاد جميعها، وإلى الاقتصاد في أمر «الصحابة» و«القرابة» رضي الله عنهم. جـ — الفصل الثالث: التفرق والاختلاف بين الأمة وتفريق كلمتها وامتحانها بما لم يأمر به الله ولا رسوله، وقد ذمَّ الله تعالى التفرق في الدين وحذَّر منه فقال: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء﴾. ولهذا التفرق أثره في الأمة، لأنه يؤدي إلى الضلال والخروج عن جماعة المسلمين، والخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلّوا دماء من خالفهم مثالٌ صارخ يعلن هذه الحقيقة. والذي يدفع إلى هذا التفرق والخلاف إنما هو هوى النفوس واتباع الظن، ولذلك حذر الله تعالى منهما، فقال سبحانه: ﴿وإن كثيراً ليُضلُّون بأهوائهم بغير علم﴾
(1) سورة الأنعام، الآية: 159.
(2) أنظر بالتفصيل: مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم. تأليف محمد العبدة، طارق عبد الحكيم.
(3) سورة الأنعام، الآية: 119.
﴿قل: لا أتَّبع أهواءكم قد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين﴾... إلخ. وقال سبحانه: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك عن سبيل الله، إن يتّبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون﴾. ★ وهذا الضلال والابتداع منكر يجب على أولي الأمر، وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها، أن ينكروه، حيث يقومون بواجب عليهم يجب أداؤه، ولذلك يبحث شيخ الإسلام في ختام هذه الرسالة ما يجب أن يأمر أولياء الأمر فيه بالمعروف مثل شرائع الإسلام وأركانه وأركان الإيمان، وسائر ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة. وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، فأعظمه الشرك بكل ألوانه وأنواعه، وسائر ما حرمه الله كالعدوان على النفس والمال.. ويدخل في هذا المنكر العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ. وهنا يضرب شيخ الإسلام أمثلة كثيرة على ذلك، ويضع الفوارق بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع في بعض هذه العبادات، مؤكداً على عمود الإسلام، الصلاة، مبيناً أهميتها ومكانتها في الدين. ★ وهكذا تظهر براعة شيخ الإسلام — رحمه الله — وأدبه الجم في مخاطبة هذه الجماعة، فقد رأيناه يثني على سلفهم، ويشيد بتمسكهم بالسنة... فيهيئ المناخ المناسب ويهيئ النفوس لتقبل النصح، لتقوم بتصحيح الانحراف، دون أن يكون هناك عدوان منه عليهم ولو بالكلمة، وهذا أيضاً اعتدال ووسطية في موقفه، فكما أنه لم يُفْرِط عليهم لم يفرّط أيضاً ولم يترك واجب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا نشير إلى أن «الوسطية والاعتدال» كانت محور رسالة الشيخ رحمه الله تعالى.
(1) سورة الأنعام، الآية: 56.
(2) سورة الأنعام، الآية: 116.
اعتمدنا في إخراج هذه الرسالة على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والذي جمعه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وتقع هذه الرسالة في الصفحات (363 — 430) من الجزء الثالث، إذ ليس بين أيدينا نسخة خطية لها. ويتلخص عملنا في الرسالة في النقاط التالية: 1 — عزو الآيات القرآنية الكريمة، وإكمال ما اقتصر المؤلف في بعضها على جزء من الآية، عند الحاجة لذلك. 2 — تخريج الأحاديث النبوية من مصادرها، تخريجاً تفصيلياً، بذكر الكتاب والباب والجزء والصفحة، وإذا كان الحديث مما لم يخرجه البخاري ومسلم، ننقل الحكم عليه من أقوال علماء الحديث كالحافظ ابن حجر والمنذري وغيرهما. 3 — ترجمة الأعلام الواردة في الرسالة ترجمة موجزة، والإشارة إلى بعض مصادر الترجمة، ولم نترجم للأعلام المشهورة كالخلفاء الأربعة، رضي الله عنهم. 4 — تصويب ما وجدناه من أخطاء في الآيات الكريمة، وفي أسماء بعض الأعلام، وما وقع من أخطاء مطبعية أو أخطاء في الرسم. 5 — توثيق بعض النصوص والأحكام، بالدلالة على مواضعها في مصادرها. 6 — التعليق على بعض المواطن التي تحتاج إلى ذلك، وشرح بعض الأفكار الواردة مما له صلة بموضوع الرسالة الأساس. 7 — وضع بعض العناوين الرئيسية والفرعية، لتساعد على حصر الأفكار الرئيسية في الرسالة، وليس في الرسالة عناوين غيرها، ولذا نكتفي بالإشارة إلى ذلك في هذه المقدمة. 8 — قدمنا للرسالة بمقدمة عامة مع إيجاز لمضمون الرسالة، وترجمة لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ عدي بن مسافر، رحمهما الله.
9 — وألحقنا في آخر الرسالة فهارس تساعد على الإفادة منها، مثل: فهرس الأعلام والمترجم لهم والموضوعات والمراجع. «ونسأل الله تعالى المبتدئ لنا بِنِعَمِه قبل استحقاقها، المُدِيْمَها علينا، مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعلنا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهماً في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولاً وعملاً يؤدِّي به عنا حقَّه، ويوجب لنا نافلةَ مَزِيدِه». وأن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه متقبلاً عنده، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الطائف 11 / 5 / 1407هـ
(1) اقتباس من افتتاحية «الرسالة» للإمام الشافعي رحمه الله.
هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النمري الحرّاني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية: الإمام، شيخ الإسلام، ولد في العاشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمئة من بعد الهجرة النبوية، وكان مولده بحران. كان والده شهاب الدين عبد الحليم رجلاً فاضلاً بارعاً، من كبار العلماء في عصره، وقد أسندت إليه مشيخة الحديث في الجامع الكبير بدمشق. وكذلك كان جده أبو البركات عبد السلام، فقيهاً، محدثاً، أصولياً نحوياً. كما طابت هذه الشجرة المباركة بأخوين عالمين فاضلين هما: شرف الدين عبد الله بن تيمية وزين الدين عبد الرحمن بن تيمية. فأسرته أسرة علم وفضل، حريصة على ثروتها العلمية، يظهر ذلك مِمّا لاقته من جهد في ارتحالها إلى دمشق حيث أغار التتار على حرّان، ففر أهلوها، ولم يكن الطريق خالياً من الأعداء، بل لم يكن آمناً، ولم يكن معبداً، ولقد لَاقَوْا مشقة في السفر إذْ حملوا كتبهم على عجلة يجرونها بأيديهم لعدم وجود الدوابّ، فانغرزت
(1) انظر الأعلام: 1/ 144.
(2) ذيل طبقات الحنابلة — لابن رجب ص 249، وابن تيمية — لأبي زهرة ص 29.
(3) البداية والنهاية — لابن كثير: 13/ 185.
(4) العقود الدرية — لابن عبد الهادي ص 261 — 263.
العجلة في الطين، وكاد يلحق بهم العدو، فابتهلوا إلى الله واستغاثوا به فنجوا بما معهم من الكتب.
ارتحل ابن تيمية مع أسرته إلى دمشق وهو في السادسة من عمره، وهو يدرك سبب هذا الارتحال وتلك المعاناة، فكره الظلم، وهو المتوقد ذكاء ذو الحافظة الواعية. اتجه الغلام منذ صغره إلى العلم متأثراً ببيئة أسرته، فحفظ القرآن الكريم واستقر حافظاً له إلى أن فاضت روحه إلى بارئها، حتى إنه ليروى أنه ختم القرآن في السجن ثمانين ختمة أو تزيد ثم اتجه بعد حفظ القرآن إلى الحديث واللغة وتعرف الأحكام الفقهية، وهو يقبل على العلم بنفس لا تكاد تشبع منه ولا تمل من الاشتغال فيه حتى فتح الله عز وجل عليه ما فتح. وقد تميز بذاكرة حادة كانت حديث زملائه، لا بل حديث الناس، فقد أورد تلميذه ابن عبد الهادي في كتابه (العقود الدرية) ما نصه: (اتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال سمعت في البلاد بصبي يقال له أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصداً لعلي أراه. فقال له خياط: هذه طريق كتّابه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا الساعة حتى يجيء... فجلس الشيخ الجليل قليلاً، فمر صبيان، فقال للشيخ الحلبي: هذا الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية، فناداه الشيخ فجاء إليه، فتناول الشيخ اللوح، فنظر فيه ثم قال: ياولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئاً تكتبه، ففعل. فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثاً، فقال: اقرأ هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه، ثم رفعه إليه، وقال: له اسمعه، فقرأه عليه عرضاً كأحسن ما أنت سامع، فقال ياولدي
(1) العقود الدرية: ص 2، وابن تيمية — لأبي زهرة ص 17 — 18.
امسح هذا ففعل، فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه كما فعل أول مرة، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله). وقد تلقى الحديث من رجاله، وسمع الكتب على المشايخ الكبار كمسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري ومسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، سمع كلاً منها عدة مرات، وأول كتاب حفظه في الحديث: الجمع بين الصحيحين للإمام الحميدي، كما قال بعض معاصريه، ولقد قالوا: (إن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مئتي شيخ). وكان مع دراسته للحديث يدرس علوماً أخرى، فقد درس الرياضة وعني بعلوم العربية عناية خاصة فدرسها وكأنه يقصد إليها ليتخصص فيها، فحفظ المنثور والمنظور، وبرع في النحو حتى إنه ليتأمل كتاب سيبويه ويدرسه دراسة فاحصة ناقدة. وإلى جانب هذا كان يدرس الفقه الحنبلي. كما كان ينزع إلى تعلم تفسير القرآن ومراجعة الموسوعات التي كتبت فيه ويقرؤها بعقل فاحص، وفكر غير مقيد إلا بالأثر الصحيح، واللغة الصحيحة، والعقل الحاكم، والوجدان المستيقظ. وكان للحنابلة مدارس خاصة بهم مثل: المدرسة الجوزية، والمدرسة السكريَّة، والمدرسة العمرية وفي هذه المدارس تخرج ابن تيمية ودرس في كنف أبيه ورعايته. وإذا ألقينا نظرة في كتابته الفقهية لنتعرف منها على دراسته الأولى فإنا نجد
(1) انظر العقود الدرية ص 4.
(2) راجع في هذا الكواكب الدرية.
(3) العقود الدرية: ص 3.
(4) البداية والنهاية: 3/ 58.
فقيهاً، مطلعاً متقصياً، قد علم أقوال المتقدمين والمتأخرين، وأقيسة القياسيين، ونظرات الأثريين، وتعمق المخرجين. وإنا لنلمح بصفة خاصة أنه كان حريصاً الحرص كله على معرفة آراء الصحابة، واتجاهات فقههم في استقراء وتتبع، وخصوصاً فقه الذين امتازوا بالعلم والخبرة والتجربة، والدراسة والفحص، كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس — رضوان الله عليهم —، كما كان يحرص على معرفة فتاوى التابعين الممتازين كسعيد بن المسيب، وابراهيم النخعي، والقاسم بن محمد، وغيرهم من كبار التابعين، وعلى ضوء هذه الدراسة، وبهذا الحرص، وبعقله النافذ العميق، وصل إلى ما وصل إليه من اختيارات ليست في المذاهب الأربعة أو منها. وفي الجملة إن هذا الفتىٰ ربى نفسه تربية عالية حتى قال أحد معاصريه: (قد ألان الله له العلوم، كما ألان لداود الحديد، كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع منه، ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم من غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكان له اليد الطولى في حسن التصنيف).
بعد أن تأهل ابن تيمية للقيادة الفكرية في عصره واستوى رجلاً تقدم ليغذي النفوس بمعارفه واثقاً بمعونة ربه ليؤدي الأمانة التي حمّلها الله له، والناس في أشد الحاجة في وسط هذه الظلمات وقد كان المكان مهيأً فقد توفي والده وأحمد في الحادية والعشرين من عمره فجلس مجلس أبيه نظيراً لأئمة الحديث الممتازين،
(1) ابن تيمية — لأبي زهرة ص 28.
كابن دقيق العيد وغيره من أئمة ذلك العصر. تقدم أحمد فألقى دروسه في الجامع الكبير بدمشق، فاتجهت إليه الأنظار واستمعت إليه الأفئدة، ولقد كان نهجه أن يعود بالاسلام إلى عهد الصحابة في عقائده وأصوله وفروعه، فأثار بذلك خلاف كثيرين، كما استهوى بالإعجاب كثيرين. ولقد حرص في دروسه وفتاواه على بيان الحق الذي كان عليه سلف الأمة مبيناً بالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله، إلا أن أصحاب البدع والخرافات والمنتفعين من انتشارها بين المسلمين وجدوا فيه خطراً يكشف أمرهم ويهتك سترهم فناصبوه العداء ودسوا عليه فكانت تأخذه حدة عليهم ولكنه لا يتجاوز الحق، ولعلنا نلمس في هذه الرسالة ترفقه بأمثال هؤلاء وتقديم الأدلة، والمخاطبة لهم بما عندهم من ايجابيات ثم التنبيه الرفيق على ما وقعوا فيه من انحراف. وما أن تنتهي محنة المبغضين حتى تطرق هجمات التتار بلاد الشام فيفر الناس — حتى كثير من العلماء — من ظلم التتار وهمجيتهم وخاصة بعد هزيمة لحقت جيوش الناصر بن قلاوون، فلا تجد الشام إلا عالمها الذي استطاع أن يجمع أعيان البلاد ليتفق معهم على ضبط الأمور فيها، ثم يشخص بنفسه إلى ملك التتار على رأس وفد من أهل دمشق يطلب الأمان، فيقذف الله في نفس ملك التتار (قازان) الرعب والرهبة فينصاع لطلبات الشيخ دون اعتراض، ثم يعود ليوالي جهوده في تثبيت الناس وحثهم على الصبر حتى يلتقي بولاة الأمور في مصر والشام ويحثهم على دخول المعركة، ويقسم لهم إنهم لمنصورون، وتلتقي جيوش المسلمين مع جيوش التتار في موقعة شقحب قريباً من دمشق، فيكون شيخ الإسلام وأخوه وأصحابه في جملة المجاهدين ليصول ويجول بسيفه كما صال وجال بقلمه ولسانه حتى حقق الله لهم النصر على التتار، وهكذا يكون العلماء.
(1) البداية والنهاية: 14/ 303.
بلغت مكانة ابن تيمية الذروة، فقد علا على المنافسة، وصار اسمه في كل مكان، فهو الذي ثبَّت القلوب بقوله، وقوى العزائم بروحه وجمع الجموع والأجناد، وخاض المعركة بنفسه، وقد حمى الدولة في الخارج، وعمل على حمايتها في الداخل بإزالة من كانوا يحصون على المسلمين أعمالهم ويبلغونها لأعدائهم، ويكشفون العورات من سكان الجبال الباطنيين الذين خرج إليهم وقاتلهم. وقد أثارت منزلته هذه حقد من لم يبلغ شأوه ولم يصل إلى مرتبته، فبدأ الخصوم يتربصون ويكيدون وبخاصة في مصر حيث لا يعرف ابن تيمية فقد كادوا له حتى استدعي إلى مصر، وعقد له مجلس في القلعة بالقاهرة، ووجهت إليه الإتهامات من خصومه، فأراد أن يجيبهم على اتهاماتهم، فبدأ بحمد الله والثناء عليه فعاجله كبيرهم: بأن أجب ولا تخطب، فأدرك أنهم متّهِمون لا محَكّمون، فامتنع عن الكلام وأدخل السجن، ولبث في السجن من عام 705هـ إلى عام 709هـ لم يتخللها إلاّ فترة إفراج واحدة لم تدم أكثر من شهر. ثم أدخل السجن في دمشق عام 720هـ وبقي سجيناً إلى أن توفاه الله تعالى فرحمة الله عليه رحمة واسعة.
ذكر صاحب الدرر أن تصانيف شيخ الإسلام تزيد على أربعة آلاف كراسة، وفي الوفيات أنها تبلغ ثلاثمئة مجلد منها: الجوامع في السياسة الإلهية والآيات النبوية ويسمى (السياسة الشرعية) و(الفتاوى) و(الإيمان) و(موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) و(منهاج السنة) و(الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) و(الواسطة بين الحق والخلق) و(الصارم المسلول على شاتم الرسول) و(مجموعة رسائل تبلغ تسعاً وعشرين رسالة) و(نظرية العقد) و(تلخيص كتاب الاستغاثة) ويعرف بـ(الرد على البكري) وكتاب (الرد على الأخنائي) و(رفع الملام عن الأئمة الأعلام) و(شرح العقيدة الأصفهانية) و(القواعد
النورانية الفقهية) و(التوسل والوسيلة) و(نقض المنطق) وكتب ورسائل أخر نفع الله بها المسلمين.
يكاد يكون الإجماع منعقداً على مقدرته العلمية واللسانية والجدلية والتعليمية، ولكن كثيرين رأوا في تلك المقدرة حرباً عليهم، إذ كيف يتفق داع إلى الأصول الأولى بنقائها مع دعاة الشعوذة أو الباطنية الموالين لأعداء الإسلام، فقد كان رحمه الله سيفاً مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإماماً قائماً ببيان الحق ونصرة الدين، وكان بحراً لا تكدره الدلاء وحبراً يقتدي به الأوفياء والأولياء. وإليك كلام المنصفين من العلماء فيه. يقول ابن دقيق العيد: (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد). وقال فيه معاصره الذهبي: (لقد نصر السنة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياماً لا مزيد عليه، وبدَّعوه، وناظروه، وكاتبوه، وهو لا يداهن، ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال مع ما اشتهر به من الورع وكمال الفكر وسرعة الإدراك). ويقول فيه أبو الفتح ابن سيد الناس الذي أدركه: (ألفيته ممن أدرك من العلوم حظاً وكان يستوعب السنن والآثار حفظاً، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر الحديث فهو صاحب علمه ودرايته، أو حاضر في الملل والنحل لم تر أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من دلالته، برز في كل علم بين أبناء جنسه، ولم ترَ عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويروون من بحره العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير).
(1، 2، 3) ابن تيمية — لأبي زهرة ص 94 — 95.
لقد عاش ابن تيمية في مضاء وصبر مستعلياً على الشدة على كثرة ما لاقى من حساده الذين عملوا على تجريده من القلم والحبر فكتب بفحم عزيمته ومضائه يقول: (وكانوا قد سعوا في ألاّ يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطاب ولا كتاب، وجزعوا من ظهور الأخنائية، فاستعملهم حتى أظهروا أضعاف ذلك وأعظم.. ولم يمكنهم أن يظهروا علينا عيباً في الشرع والدين، بل غاية ما عندهم أنه خولف مرسوم بعض المخلوقين، والمخلوق كائناً من كان إذا خالف أمر الله تعالى ورسوله لم تجب، بل لا تجوز طاعته في مخالفة أمر الله ورسوله باتفاق المسلمين). ولم يطل ذلك الضيق على تلك النفس الحرة الكريمة، وذلك الفكر القوي المنطلق، فقد قبضه الله سبحانه وتعالى إليه في العشرين من شهر شوال سنة 728هـ وما إن علم أهل دمشق بوفاة عالمها بل عالم المسلمين أجمعين في جيله حتى أخذتهم حسرات تلتها عبرات فأحاطوا بنعشه وخرجت دمشق كلها تودعه وتضعه في مثواه الأخير.
(1) ابن تيمية — لأبي زهرة ص 89.
الشيخ القدوة، الإمام الصالح، الزاهد، شرف الدين، أبو محمد — وقيل أبو الفضائل — عدي بن مسافر بن اسماعيل بن موسى، بن مروان، بن الحسن بن مروان، بن الحكم، بن مروان الأموى، الشامي، ثم الهكّاري مسكناً، شيخ الطائفة العدويَّة، التي تُنْسب إليه. فهو أموي: لأنه من ذرية مروان بن الحكم الأموى، وشاميّ: لأنّه ولد في بلاد الشام في قرية اسمها «بيت فار» في البقاع، قرب بعلبك، والهكاريّ: نسبة إلى جبال الهكارية بالموصل.
ولد الشيخ عدي في بلاد الشام، في موضع يعرف بشوف الأكراد — بالشين
* مصادر ترجمته: الكامل في التاريخ لابن الأثير: 11/ 289، تاريخ اربل لابن المستوفي: 1/ 114/ 116، وفيات الأعيان لابن خلكان: 3/ 254 — 255، الحوادث الجامعة: 271 — 274 بهجة الأسرار: 10، 150، دول الإسلام للذهبي: 2/ 72، العبر في خبر من غبر: 3/ 28، سير أعلام النبلاء: 20/ 342 — 344، البداية والنهاية لابن كثير: 12/ 243، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي: 5/ 261، الطبقات الكبرى للشعراني: 1/ 81، شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد: 4/ 179، جامع كرامات الأولياء: 2/ 147، تاريخ العراق: 3/ 36 — 38، تاريخ اليزيدية لعباس العزاوي: 112 و158 و164، اليزيدية قديما وحديثاً لاسماعيل جول ص 93 و95، الشرفنامة الكردية، الأعلام للزركلي: 4/ 221، مقدمة اعتقاد أهل السنة والجماعة للشيخ عدي بن مسافر تحقيق محمد علي العدواني وابراهيم النعمة: 3 — 9.
(1) انظر: تاريخ اربل: 1/ 114، وفيات الاعيان: 3/ 254، سير أعلام النبلاء: 20/ 342، النجوم الزاهرة: 5/ 261، شذرات الذهب: 4/ 179 الاعلام: 4/ 221.
(2) الهكارية: بالفتح وتشديد الكاف وراء وياء نسبة، بلدة وناحية وقرى فوق الموصل، في بلدة جزيرة ابن عمر، يسكنها أكراد يقال لهم الهكارية، والنسبة إليها: الهكّاريّ.
= انظر معجم البلدان لياقوت: 5/ 408، اللباب في تهذيب الانساب لابن الأثير: 3/ 390.
المعجمة والفاء — ببلد تسمى «بيت فار» في البقاع، غربي دمشق، في سنة (465) للهجرة، ثم استوطن بعد ذلك بلدة «لَالْش» بالهكارية.
طلب الشيخ عدي العلم في بلدته الأولى، قبل أن يخرج منها إلى مواضع كثيرة، ذكر المؤرخون منها: بغداد، وبالس، الواقعة بين حلب والرقة في بلاد الشام، وجاور بالمدينة أربع سنوات، ثم دخل بغداد، فاجتمع فيها بجماعة كبيرة من أعيان المشايخ والصلحاء والمشاهير، أمثال: الشيخ عبد القادر الجيلاني، وأبي الوفاء الحلواني، والشيخ حمّاد الدباس، وأبي النجيب عبد القادر السهروردي، وأبي محمد الشُنْبُكي، والشيخ عقيل المنبجي وغيرهم. ثم ورد أربل وأقام بالكرخيني إلى أن انفرد عن الناس وانقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، انقطع فيها للعبادة، وفيها توفي ودفن، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلا عظيماً، لم يسمع لأرباب الزوايا بمثله، وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق، جاوز اعتقادهم فيه الحدّ، حتى جعلوه قبلتهم التي إليها يصلّون، وذخيرتهم في الآخرة، التي يعوّلون عليها، فلا يستطيع أحد أن يساويه بالطبقة الأولى من كبار المشايخ الصالحين.
(1) بيت فار: بالفاء كما ذكرها ابن خلكان وابن المستوفي، وذكرها ابن كثير بالنون «بيت نار» والزركلي في الأعلام بالقاف «بيت قار».
= وهي قرية من أعمال بعلبك، وبعلبك أحد أقضية محافظة البقاع في لبنان ببلاد الشام. إذ تقسم لبنان إلى محافظات والمحافظة إلى أقضية.
= انظر: المعجم الجغرافي لدول العالم، تأليف هزاع بن عيد الشمّري ص 426.
(2) وتذكرها بعض الكتب «لاليش» وذكرها ياقوت في معجمه باسم «لَيْلُش» قال: وهي قرية في اللحف من أعمال شرقي الموصل. انظر معجم البلدان: 5/ 28. وعند ابن المستوفي في تاريخ إربل: 1/ 116 (لألُش).
(3) انظر: تاريخ إربل: 1/ 114/ 116، وفيات الأعيان: 3/ 254، البداية والنهاية: 12/ 43، الأعلام للزركلي: 4/ 221 وفيه أن ولادته كانت عام (467).
(4) انظر: سير أعلام النبلاء: 20/ 344، البداية والنهاية: 12/ 243، وفيات الأعيان: 3/ 254، الشذرات: 4/ 180، تاريخ اربل: 1/ 114، الاعلام: 4/ 221، مقدمة اعتقاد أهل السنة والجماعة للشيخ عدي ص 4.
وتتلمذ عليه خلق كثير من الأولياء، وتخرج بصحبته غير واحد من ذوي الأحوال وعمرّ حتى انتفع به خلق كثير، وانتشر ذكره، وكان مَعْلَماً للخير، ناصحاً متشرعاً شديداً في الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، عاش قريباً من ثمانين سنة، وقيل تسعين سنة.
أجمع كل من أرَّخ وترجم للشيخ عدي على وصفه بالصلاح، وأثنوا عليه ثناء عاطرا، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، «الشيخ عدي، قدس الله روحه، كان من أفاضل عباد الله الصالحين، وأكابر المشايخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية والمناقب العليَّة، ما يعرفه أهل المعرفة بذلك، وله في الأمة صيت مشهور، ولسان صدق مذكور». ولا عجب في ذلك، فقد كان، رحمه الله، شيخاً صالحاً قدوة زاهدا، قال الإمام الذهبي عنه: الشيخ الإمام الصالح القدوة، زاهد وقته ووصفه أيضاً بأنه شيخ العارفين. وقال الشيخ حماد بن محمد بن جسّاس: «ما رأيت أحسن سيرة، ولا أكثر خشوعا، ولا أغزر دمعة من عدي»، وقال: «ركب عدي جواداً ما نزل عنه حتى مات، ما أفطر في النهار ولا نام في الليل، ولا أكل وشرب غذاء أحد، ولا أخذ عليه أحد سوء خلق».
(1) النجوم الزاهرة: 5/ 362.
(2) سير أعلام النبلاء: 20/ 342، دول الإسلام للذهبي: 2/ 72، وذكر ابن خلكان أنه عاش تسعين سنة، وهو ما نقله ابن المستوفي من خط أبي الفرج الحنبلي عن ابن أخي الشيخ عدي، وانظر: تاريخ اربل: 1/ 114.
(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/ 377، وسيأتي هذا النص في صلب الرسالة.
(4) سير أعلام النبلاء: 20/ 342.
(5) دول الإسلام: 2/ 72.
(6) تاريخ اربل: 1/ 114 — 115.
ونقل الإمام الذهبي عن الحافظ عبد القادر: أنه عاش قريباً من ثمانين سنة، ما بلغنا أنه باع شيئاً ولا اشترى، ولا تلبّس بشيء من أمر الدنيا، كانت له غُلَيْلَة يزرعها بالقَدوم في الجبل، ويحصدها، ويتقوّت، وكان يزرع القطن ويكتسي منه، ولا يأكل من مال أحد شيئاً، وكانت له أوقات لا يُرى فيها، محافظة على أوراده، وقد طفت معه أياما في سواد الموصل — أي الشيخ عبد القادر — فكان يصلي معنا العشاء، ثم لا نراه إلى الصباح، ورأيته إذا أقبل إلى قرية يتلقاه أهلها — من قبل أن يسمعوا كلامه — تائبين، رجالهم ونساؤهم إلا من شاء الله منهم. ولقد أتينا على دير رهبان، فتلقانا منهم راهبان، فكشفا رأسيهما، وقبّلا رجليه، وقالا: ادع لنا، فما نحن إلا في بركاتك، وأخرجا طبقا فيه خبز وعسل فأكل الجماعة، وخرجت إلى زيارة الشيخ أول مرة، فأخذ يحادثنا، ويسأل عن الجماعة ويؤانسهم، وقال: رأيت البارحة في النوم كأننا في الجنة، ونحن ينزل علينا شيء كالبَرَد. ثم قال: الرحمة، فنظرت إلى فوق رأسي، فرأيت ناساً، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: أهل السنة والصيت، للحنابلة. وكان يواصل الأيام الكثيرة على ما اشتهر عنه، حتى أن بعض الناس كان يعتقد أنه لا يأكل قط، فلما بلغه ذلك أخذ شيئاً وأكله بحضرة الناس.
قال الحافظ عبد القادر: ساح الشيخ عدي سنين كثيرة، وصحب المشايخ وجاهد أنواعا من المجاهدات، ثم إنه سكن بعض جبال الموصل، في موضع ليس به أنيس، ثم آنس الله تلك المواضع به وعمرها حتى صار لا يخاف أحد بها قطع السبل، وارتد جماعة من مفسدي الأكراد عن فسادهم، ببركاته. وقال ابن تغري بردي: سلك في المجاهدة طريقا صعبا بعيدا، وكان القطب
(1) سير أعلام النبلاء: 20/ 342 — 343.
(2) سير أعلام النبلاء: 20/ 342.
محي الدين عبد القادر ينوِّه بذكره، ويثني عليه كثيراً، وشهد له بالسلطنة (يعني على الأولياء)، وقال: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر، وكانت الحيّات والسباع تألفه، ثم عاد وسكن بزاويته. وقال ابن شهبة في تاريخه: كان فقيها عالما، وهو أحد أركان الطريقة، سلك في المجاهدة وأحوال البداية طريقاً صعباً، تعذر على كثير من المشايخ سلوكه.
أجمع كل من ترجم للشيخ عدي على الثناء عليه، وقد تقدمت بعض كلماتهم في ذلك، وفيما يلي إشارة إلى جملة من ثناء العلماء عليه. قال ابن المستوفي: شيخٌ سار ذِكْرُه، وطبَّق الأرض واتبعه خلق. ووصفه ابن العِماد بأنه: الزاهد، قطب المشايخ، وبركة الوقت، وصاحب الأحوال والكرامات، وأثنى عليه ابن شهبة في تاريخه فقال: كان فقيها عالما، وهو أحد أركان الطريقة. وقال ابن تغري بردي: كان فقيها، عالما، عابداً، فصيحاً، متواضعاً حسن الأخلاق، مع كثرة الهيبة والوقار، وهو أحد كبار مشايخ الطريقة، وأحد العلماء الأعلام فيها. وكان الشيخ الحافظ عبد القادر يثني عليه خيرا ويشهد له بالسلطنة على الأولياء وقال: كان معلماً للخير، ناصحاً متشرعاً، شديدا في الله، لا تأخذه في الله لومة لائم.
(1) النجوم الزاهرة: 5/ 362، الشذرات: 4/ 180.
(2) الشذرات: 4/ 180.
(3) تاريخ اربل: 1/ 114.
(4) الشذرات: 4/ 180.
(5) النجوم الزاهرة: 5/ 361.
(6) سير أعلام النبلاء: 20/ 342، شذرات الذهب: 6/ 180.
للشيخ عدي كلمات مأثورة جميلة تدل على سلوكه وحرصه على السنة وتمسكه بها منها ما قاله في وصية أحد أتباعه: «إذا رأيتم الرجل تظهر له الكرامات وتنخرق له العادات، فانظروا كيف هو عند الأمر والنهي. ومن لم يأخذ الأدب من المؤدبين أفسد من يتبعه، ومن كان فيه أوفى بدعه فاحذر مجالسته، لئلا يعود عليك شؤمها ولو بعد حين. ومن اكتفى بالكلام في العلم دون الاتصاف بحقيقته انقطع، ومن اكتفى بالتعبد دون فقه خرج، ومن اكتفى بالفقه دون ورع اغترَّ، ومن قام بما وجب عليه من الأحكام نجا».
وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ الإمام الصالح أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما. وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة، بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها، ومنابذة من خالفها — مع الدين والفضل والصلاح — ما رفع الله له أقدارهم، وأعلى منارهم، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد. قال الإمام الذهبي: كان مستقيماً في عقيدته محبّاً لأهلها، مظهراً لها، شديداً على أهل البدعة والفسق، لا يداري في ذلك ولا يداهن، قال الحافظ عبد القادر: سمعت شخصاً يقول له: يا شيخ، لا بأس بمدارة الفاسق؟ فقال: لا
(1) الطبقات الكبرى: 1/ 109 نقلا عن مقدمة عقيدة الشيخ عدى ص 7.
(2) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/ 377.
يا أخي، دين مكتوم دين ميشوم. ووصفه ابن خلكان بأنه كان جميل الاعتقاد، فقال: وحفدته إلى الآن — عصر ابن خلكان المتوفى سنة 681هـ — بموضعه يقيمون شعاره، ويقتفون آثاره، والناس معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد وتعظيم الحرمة. وقد نشرت عقيدة الشيخ عدي المسماة «اعتقاد أهل السنة والجماعة». ومنها نقتطف بعض الفقرات في مسائل من العقيدة، ثم نعقب على ذلك بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن نسبة هذه العقيدة إليه. قال رحمه الله تعالى: الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا يغيره الأمد، ليس له والد ولا ولد، لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، جلّ عن الأنداد والأضداد والأمثال والأشكال. صفاته كذاته، ليس بجسم في صفاته، جلّ أن يشبَّه بمبتدَعاته أو يضاف إلى مصنوعاته، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى الآية 11). أراد ما أهْلُ العالم فاعلوه، ولو عصمهم جميعاً ما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلائق وآجالهم، وقدّر أرزاقهم وأفعالهم، لا سميّ له في أرضه وسماواته، ولا عديل له في حكمه وإرادته. حرام على العقول أن تمثله وعلى الظنون أن تحدّه. وعلى الضمائر أن تُعَمِّق وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الفكر أن يحيط، وعلى العقول أن تصور، إلا ما وصف به ذاته في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مقدره قطعاً وخالقه «على العرش استوى» (سورة طه الآية 5). وعلى الملك احتوى، وعلمه محيط بالأشياء.
(1) سير أعلام النبلاء: 20/ 343.
(2) وفيات الأعيان: 3/ 254.
(3) بتحقيق محمد علي الياس العدواني، ابراهيم النعمة، الطبعة الأولى 1395هـ، ضمن سلسلة إحياء التراث الإسلامي في رئاسة ديوان الأوقاف بالجمهورية العراقية.
أول نعمة أنعمها الله على عبده أن هداه للإيمان، وأجلُّ نعمة أنعمها الله على العبد أن كتب الإيمان في قلبه... ثم بعد ذلك معرفة الباري سبحانه وتعالى ومعرفة الباري وجبت بالشرع والعقل. وقال: «ونؤمن بما ورد به الكتاب والسنة، ولا نتعرض لتأويل، بعد أن نعلم أن الله عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وهذا الذي درج عليه السلف قبل ظهور الأهواء وتشعب الآراء، فلما ظهرت البدع وانتشر في الناس التشبيه والتعطيل فزع أهل الحق إلى التأويل وتقرير مذهب السلف كما جاء من غير تمثيل ولا تكييف، ولا تشبيه ولا حمل على ظاهر ولا تمثيل. وأن خير هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين»... إلخ. وهكذا بيَّن الشيخ عدي أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في وجود الخالق سبحانه وطريق معرفته وعبادته، وموقفهم من آيات الصفات، والغيبيات كالجنة والنار والصراط..... وموقفهم من الصحابة رضوان الله عليهم، وسائر أبواب الاعتقاد. وقد بلغت هذه العقيدة المطبوعة حوالي ثلاثين صفحة من النسخة المطبوعة، ومن الجدير بالذكر أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية تحدث عن هذه العقيدة المنسوبة للشيخ عدي فقال: «والعقيدة من كتاب التبصرة» للشيخ أبي الفرج المقدسي، بألفاظه، نقل المسطرة، لكن حذفوا منها تسمية المخالفين وأقوالهم، وذكروا ما ذكره من الأدلة، وزادوا فيها من ذكر يزيد وغيره أشياء لم يقلها الشيخ أبو الفرج، وفيها أحاديث موضوعة، وقال في آخرها: فهذا اعتقادنا، وما نقلناه عن مشايخنا
(1) ص 12، 13.
(2) المراد بالتأويل هنا ما اقتضاه الدليل، إذ سبق في أول الفصل أنه قال بإمرار آيات الصفات كما وردت، وقال أيضاً: ولا نتعرض للتأويل.
(3) نفسه، ص 26.
نقله جبرائيل عن الله، ونقله النبي ﷺ عن جبرائيل، ونقله الصحابة عن النبي ﷺ. وسمّي من سماه اللالكائي في أول كتاب شرح أصول السنة. كما ذكروا أن هذا أملاه الشيخ عدي من حفظه وأمر بكتابته. ورووا ذلك بالسماع من الشيخ حسن بن عدي بن أبي البركات بسماعه من والده عدي بن أبي البركات بن صخر بن مسافر.
للشيخ عدي مجموعة رسائل موجودة في خزانة برنستن بولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية. وذكر اسماعيل العزاوي إنها برقم (2667)، وفيها: 1 — قصيدة له. 2 — رسالة في آداب النفس. 3 — رسالة في وصاياه للخليفة. 4 — وصاياه لمريده قائد.
كتب الله تعالى لعدي بن مسافر القبول بين الناس في عصره، فكان الناس يتأثرون بدعوته ويصبحون من أتباعه، وقد طار صيته حتى إنه كان إذا أقبل إلى قرية يتلقاه أهلها من قبل أن يسمعوا كلامه، تائبين، رجالهم ونساؤهم، إلا من شاء الله منهم. ومما يشهد لذلك أنه جاء إلى الموصل في السنة التي مات فيها، فنزل في
(1) أنظر: اعتقاد أهل السنة للشيخ عدي ص 34 — 44 وقارن بشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: 1/ 29 — 49، تحقيق د. أحمد سعد حمدان.
(2) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 11/ 105.
(3) مقدمة التحقيق لاعتقاد أهل السنة والجماعة للشيخ عدى ص 7 و8 وقد أشار إلى: تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم ص 34.
مشهد خارج الموصل، فخرج إليه السلطان وأصحاب الولايات والمشايخ والعوامّ حتى آذوه. مما يقبّلون يده، فأجلس في موضع بينه وبين الناس شباك، بحيث لا يصل إليه أحد إلا رؤية، فكانوا يسلمون عليه، وينصرفون، ثم رجع إلى زاويته. وكان أتباعه في أول أمرهم على طريقة مستقيمة، يتأثرون بشيخهم ويترسمون خطاه في العبادة والطريقة والسلوك، وهو في ذلك كله على طريقة أهل السنة والجماعة كما سبق آنفاً. ولذلك خاطبهم شيخ الإسلام ابن تيمية وأثنى عليهم وأشاد بتمسكهم بالسنة والمحافظة عليها، وبابتعادهم عن البدع المضله وقال: ...وما زال في عسكر المسلمين المنصوره وجنود الله المؤيدة — منكم من يؤيد الله به الدين ويعز به المؤمنين، وفي أهل الزهادة والعبادة منكم مَنْ له الأحوال الزكية والطريقة المَرْضيّة... وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين...
ولكن تلك المنزلة التي بلغها الشيخ عدي في نفوس أتباعه، وتلك المتابعة للشيخ والتأسي به لم تستمر على صورتها المعتدلة المشروعة، بل إن أتباعه جاوزوا الحد — بعد ذلك — فوقعوا في الغلو الذي حذر منه الإسلام، ويبدو أن هذا الغلو قد بدأ في حياة الشيخ عدي، وقد رأينا فيما سبق صورة منه عند قدومه إلى الموصل. ويظهر هذا الغلو في أمور كثيرة منها تلك الخوارق التي نسبوها إليه حيث قال: ابن الأهدل: إنه إذا ذُكِرَ على الأسد وقف، وإذا ذكر على موج البحر سكن وإنه ضرب على صدر عمر بن محمد ليحفظ القرآن، فحفظه كله في وقته...
(1) سير أعلام النبلاء: 20/ 343.
(2) مجموعة الفتاوى: 3/ 376 — 377 —
(3) انظر: شذرات الذهب: 6/ 179 — 180، الطبقات الكبرى للشعراني: 1/ 110. مقدمة عقيدة الشيخ عدى ص 5 — 7.
وقد ذكر كل من ترجم له هذه الناحية، فقال ابن المستوفي عن أتباعه: جاوز حسن اعتقادهم فيه الحد، حتى جعلوه قبلتهم التي إليها يصلّون، وذخيرتهم في الآخرة التي يعوّلون عليها، فلا يستطيع أحد أن يساويه بالطبقة الأولى من كبار المشايخ. وقال الإمام الذهبي: ولأصحابه فيه عقيدة تتجاوز الحد. ومنهم من يجعله إلها أو شريكا وهذا اعتقاد فاحش يؤدي إلى الخروج من الدين جملة. وأُحرق قبر الشيخ عدي في سنة (817) هـ — فاجتمع «العدوية عليه، واتخذوه قبلة لهم، وقالت اليزيدية — من أتباعه الغلاة — إن زيارة تربته في جبل «لاليش» أفضل من الحج — ويقولون: إن الشيخ عدي قد تحمل عنهم صومهم وصلاتهم، وسيذهب بهم يوم القيامة إلى الجنة من دون عقاب!! ولذلك سنفرد لهؤلاء الغلاة فقرة نعرِّف بها فيهم وما وصلوا إليه من سوء الإعتقاد، وهم اليزيديون.
طائفة تقيم في شمال غرب العراق، يدارون الشيطان ولا يتلفّظون باسمه ويمتنعون عن التنحنح والبصاق وأكل الخس والقرع والسمك والديك والغزال، يسجدون للشمس كل صباح، ويضحّون لها بثور أبيض، ويقبِّلون أعلى حجر تسقط عليه الشمس عند طلوعها. كتبهم: مصحف رش ومصحف الجلوة. يزورون مقام الشيخ عدي في رأس السنة عندهم (أول أربعاء من نيسان الشرقي). يطاف عليهم بتمثال الشيطان،
(1) تاريخ اربل: 1/ 114.
(2) العبر في خبر من عبر للذهبي: 3/ 38.
(3) البداية والنهاية لابن كثير: 12/ 343.
(4) الأعلام للزركلي: 4/ 221 وقد أشار إلى: اليزيدية قديما وحديثا لعباس العزاوي ص 112، 158، 164، واليزيدية قديما وحديثاً لاسماعيل جول ص 93 و95 والشرفنامة الكردية ص 23، وانظر مقدمة عقيدة الشيخ عدي ص 5.
وهم يسمونه طاووس ملك، وهو ديك من النحاس الأصفر على محمل. يدعى رئيسهم الأمير، يليه: البير، وهو المرجع في الصوم والصلاة، والرهوال: وهم سدنة مرقد الشيخ عدي السوداء، والقوال: يتولى التطواف بطاووس ملك وارشاد العامة. يعمِّدون الذكور، ولغتهم مزيج من العربية والفارسية. ويعتقد أن اللفظةَ (اليزيديون) مشتقة من مدينة (يزد) الايرانية، أو من يزيد بن معاوية الذي ينحدر منه الشيخ عدي بن مسافر الأموي.
سئل عدي بن أبي البركات عن مولده فقال إنه ولد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة في السنة التي مات فيها الشيخ عدي الأكبر — وعلى هذا فوفاة عدي ابن مسافر في هذه السنة — وهو ما ذكره ابن كثير، وذكر ابن خلكان أنه توفي بين سنة خمس أو سبع وخمسين، ويذكر ابن تغري بردي أنه توفي سنة ثمان أو سبع وخمسين، فالخلاف واقع في وفاته بين سنة خمس وخمسين وثمان وخمسين وخمسمائة. وقد دفن بزاويته في جبل «لألش» على مسافة خمسين كيلومتراً شرقي الموصل.
(1) الموسوعة العربية، البيت الريحاني وفريق من الأساتذة ص 841.
(2) المراجع السابقة، ابن خلكان، والبداية والنهاية، وسير الأعلام، والنجوم الزاهرة، مقدمة عقيدة الشيخ عدي، ص 8 و9.
من أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة ؛ المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة : « أبي البركات عدي ابن مسافر الأموي » ـ رحمه الله ـ ومن نحا نحوهم ـ وفقهم الله لسلوك سبيله ، وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وجعلهم معتصمين بحبله المتين ؛ مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وجنبهم طريق أهل الضلال والإعوجاج ؛ عما بعث الله به رسوله ﷺ من الشرعة والمنهاج ؛ حتى يكونوا ممن أعظم الله عليهم المنة ؛ بمتابعة الكتاب والسنة .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعـــــد :
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وهو للحمد أهل ؛ وهو على كل شيء قدير . ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم ﷺ وأكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه زلفى ؛ وأعظمهم عنده درجة ؛ محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيداً ، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ، ومهيمناً عليه ، وأكمل له ولأمته الدين ، وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله ، وجعلهم أمة وسطاً أي عدلاً خياراً .
ولذلك جعلهم شهداء على الناس ، هداهم لما بعث به رسله جميعهم من
(1) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) أخرجه ابن ماجه في الزهد — باب صفة أمة محمد ﷺ برقم (4288) جـ 2/ 1433، والبغوي في التفسير عن أبي سعيد بأطول من هذا 1/ 122.
الدين الذي شرعه لجميع خلقه ، ثم خصهم ، بعد ذلك بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم .
( فالأول ) مثل : أصول الإيمان ، وأعلاها وأفضلها هو « التوحيد » : وهو شهادة أن لا إله إلا الله . كما قال تعالى : ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾ وقال تعالى : ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ وقال تعالى : ﴿ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ﴾ وقال تعالى : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ﴾ وقال تعالى : ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم . وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ﴾
ومثل الإيمان بجميع كتب الله ، وجميع رسله ، كما قال تعالى : ﴿ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ؛ لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ ومثل قوله تعالى : ﴿ قل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم ﴾ ومثل قوله تعالى : ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ إلى آخرها .
ومثل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب ، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم به حيث قال : ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارىٰ
(1) الأنبياء: 25.
(2) النحل: 36.
(3) الزخرف: 45.
(4) الشورى: 13.
(5) المؤمنون: 51، 52.
(6) البقرة: 136.
(7) الشورى: 15.
(8) البقرة: 285.
والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ .
ومثل أصول الشرائع كما ذكر في سورة « الأنعام » و « الأعراف » و « سبحان » وغيرهن من السور المكية : من أمره بعبادته وحده لاشريك له ، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والعدل في المقال ؛ وتوفية الميزان والمكيال ؛ وإعطاء السائل والمحروم ؛ وتحريم قتل النفس بغير الحق وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ؛ وتحريم الإثم والبغى بغير الحق وتحريم الكلام في الدين بغير علم ؛ مع مايدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله ، والتوكل على الله والرجاء لرحمة الله ، والخوف من الله ، والصبر لحكم الله والقيام لأمر الله ؛ وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين .
(1) البقرة: 62.
(2) ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتىٰ يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربىٰ وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ الأنعام: 151 — 153.
(3) ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ الأعراف: 33.
(4) ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ المائدة: 23.
(5) ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ البقرة: 219.
(6) ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ المائدة: 44.
(7) ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ الإنسان: 24.
(8) ﴿يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ الأنفال: 24.
(9) ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ البقرة: 165.
= عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله =
إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن كالسور المكية وبعض المدنية .
( وأما الثاني ) فما أنزله الله في السور المدنية من شرائع دينه ، وما سنَّه الرسول ﷺ لأمته .
فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة وامتنَّ على المؤمنين بذلك ، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك فقال : ﴿ وأنزل اللهُ عليك الكتاب والحكمة وعلَّمك مالم تكن تعلم ﴾ وقال : ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ وقال : ﴿ واذكرن مايتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ﴾ .
قال غير واحد من السلف : الحكمة هي السنة . لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه رضي الله عنهن سوى القرآن هو سنته ﷺ ، ولهذا قال ﷺ :
= ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» البخاري: في الإيمان، باب: حلاوة الإيمان 1/ 60، ومسلم: في الإيمان باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان: 1/ 66.
(1) النساء: 113.
(2) آل عمران: 164.
(3) الأحزاب: 34.
(4) أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن.. الآية﴾ قال: القرآن والسنة. قال: يمتن عليهن بذلك. الدر المنثور 6/ 607، تفسير الطبري 22/ 9.
= وقال الإمام الشافعي رحمه الله: فذكر الله تعالى الكتاب، وهو القرآن وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال، والله أعلم، لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة وذكر الله منَّهُ على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز — والله أعلم — أن يقال: الحكمة هاهنا: إلا سنة رسول الله ﷺ، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره فلا يجوز أن يقال لقول: فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله، لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقروناً بالإيمان به وسنة رسول الله مبيِّنة عن الله معنى ما أراد: دليلاً على خاصه وعامّه ثم قرن الحكمة بها بكتابه فأتبعها إياه ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله ﷺ.
= (الرسالة للإمام الشافعي صفحة 78 — 79 بتحقيق أحمد شاكر، وانظر: أحكام القرآن للإمام الشافعي: جمعه الإمام البيهقي من كلام الشافعي: 1/ 28 — 39 بتحقيق الشيخ عبد الغني عبد الخالق رحمه الله).
« ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه » وقال حسان بن عطية : كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن .
وهذه « الشرائع » التي هدى الله بها هذا النبي وأمته مثل :
الوجهة ، والمنسك ، والمنهاج ، وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد ، وهذه القراءة ، والركوع ، والسجود ، واستقبال الكعبة .
ومثل فرائض الزكاة ونُصُبِها التي فرضها في أموال المسلمين : من الماشية والحبوب والثمار ، والتجارة ، والذهب ، والفضة ، ومن جعلت له ؛ حيث يقول : ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ﴾ .
ومثل صيام شهر رمضان ، ومثل حج البيت الحرام ، ومثل الحدود التي حدها لهم : في المناكح ، والمواريث ، والعقوبات والمبايعات . ومثل السنن التي سنَّها لهم : من الأعياد ، والجمعات ، والجماعات في المكتوبات ، والجماعات في الكسوف ، والاستسقاء ، وصلاة الجنازة والتراويح .
(1) أخرجه أبو داود في السنة باب: في لزوم السنة عن المقدام بن معد يكرب: 7/ 7 — 8 من مختصر المنذري. ومن طريق أخرى رواه الترمذي في العلم: باب: ما نهي عنه أن يقال عند حديث رسول الله ﷺ: 7/ 426 من تحفة الأحوذي وانظر فيه كلاماً عن فرقة أهل القرآن الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن عن السنة، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة باب: اتباع سنة رسول الله ﷺ: 1/ 6، مسند الإمام أحمد: 4/ 131. وانظر تفسير ابن كثير: 1/ 9 بتخريج الوادعي.
(2) حسان بن عطية المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقي: ثقة فقيه عابد، قال الأوزاعي: (ما أدركت أحداً أشد اجتهاداً ولا أعمل منه) وقال البخاري: (كان من أفاضل أهل زمانه) مات بعد العشرين ومئة. تهذيب التهذيب: 2/ 219 — 220.
(3) أخرجه الدارمي في المقدمة باب (السنة قاضية على الكتاب: 1/ 145، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/ 84.
= قال ابن حجر في الفتح: 13/ 291: أخرجه البيهقي بسند صحيح، والمروزي في السنة: ص 28 و116، وابن بطة في الإبانة. انظر مشكاة المصابيح 1/ 57 — 58.
(4) التوبة: 60.
وما سنَّهُ لهم في العادات ، مثل : المطاعم ، والملابس ، والولادة ، والموت ، ونحو ذلك : من السنن ، والآداب ، والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم : في الدماء ، والأموال ، والأبضاع ، والأعراض ، والمنافع ، والأبشار ، وغير ذلك من الحدود والحقوق ، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ .
وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم ؛ فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ ؛ وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم قبلهم ؛ إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى رسولاً إليهم ؛ كما قال تعالى : ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ وقال تعالى : ﴿ وإنْ من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ .
ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء لانبيَّ بعده ، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة . وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة . ولهذا كان إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة .
(1) النحل: 36.
(2) فاطر: 24.
(3) حديث «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وقد روي هذا الحديث من طرق عن أبي مالك الأشعري وابن عمر وابن عباس وأنس وسمرة وأبي نضرة وأبي أمامة وأبي مسعود بألفاظ كثيرة، عند أبي داود والترمذي والحاكم وابن أبي عاصم في السنة.
= قال الزركشي بعد أن ساق رواياته كلها وطرقه: واعلم أن طرق هذا الحديث كثيرة ولا يخلو من علة وإنما أوردت منها ذلك ليتقوىٰ بعضها ببعض، ومن شواهده ما في الصحيحين عن أنس قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال: «وجبت» ثم مُرَّ بأخرىٰ فأثنوا عليها شراً فقال: «وجبت» فقيل: يارسول الله: لِمَ قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: «شهادة القوم، والمؤمنون شهداء الله في الأرض» وفي لفظ مسلم «من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض ثلاثاً» انظر المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للإمام بدر الدين الزركشي صفحة (57 — 62) بتحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي.
= وقال الغزالي: قامت الحجة على استحالة الخطأ على أمة محمد ﷺ، فهي أمة معصومة بنص كتاب الله تعالىٰ وبنص السنة. أما الكتاب: فهو قوله تعالىٰ: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس﴾ =
ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة : عن أهل الباطل ؛ الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ، ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ ، وعما مضت عليه جماعة المسلمين .
فإن الله أمر في كتابه باتباع سنة رسوله ﷺ ولزوم سبيله ، وأمر بالجماعة والائتلاف ، ونهى عن الفرقة والاختلاف ، فقال تعالى : ﴿ من يطع الرسول فقد
= البقرة: 143 وقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ آل عمران: 102. وقوله: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ الشورى: 10 ومفهومه أن ما اتفقتم فيه فهو حق.
= وأما السنة: فهو قوله ﷺ «لا تجتمع أمتي على الخطأ» فقد تظاهرت الرواية عن الرسول ﷺ بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ، واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعروة بن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم — رضي الله عنهم — من نحو قوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» و«لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة» و«سألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها» و«من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» وقوله ﷺ: «يد الله على الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ» و«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يضرهم من خالفهم..»
= وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها، بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه.
= فقد عظم رسول الله ﷺ شأن هذه الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة وهذا يعطي علماً ضرورياً بصحة ذلك وبعصمة الأمة بمجموعها. انظر: المستصفىٰ للغزالي: 1/ 175 — 176.
= وهذه العصمة للأمة تجعل إجماعها حجة شرعية لأن الله تعالى قد أمر بلزوم الجماعة المعصومة: قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة لمن سأله: ما معنى أمر النبي بلزوم الجماعة التي جعلها الشافعي دليلاً على حجية الإجماع؟ قال: لا معنى له إلا واحد، إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الابدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئاً، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.
= ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب الله ولا سنة ولا قياس إن شاء الله.
= انظر الرسالة للشافعي: ص 475 — 476، وراجع أيضاً: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 1/ 495 — 498.
أطاع الله ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ ، وقال تعالى ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلِّموا تسليماً ﴾ .
وقال تعالى : ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ماجاءهم البينات ﴾ ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ وقال تعالى : ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ ، وقال تعالى في أم الكتاب : ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال : « اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون »
(1) النساء: 80.
(2) النساء: 64.
(3) آل عمران: 31.
(4) النساء: 65.
(5) آل عمران: 103.
(6) الأنعام: 159.
(7) آل عمران: 105.
(8) البينة: 5.
(9) الأنعام: 153.
(10) الفاتحة: 6 — 7.
(11) أخرجه الإمام أحمد عن عدي بن حاتم في حديث إسلامه، وفيه «.. فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى» 4/ 378.
= وأخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة الفاتحة: 8/ 286 — 290، والطبري في التفسير من طرق عدة عن عدي: 1/ 185 — 195 بتحقيق محمود شاكر.
= وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (1715) صفحة 424 من موارد الظمآن. وعزاه السيوطي لعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: الدر المنثور: 1/ 42.
= وذكره ابن كثير في التفسير عن الترمذي والمسند وابن مردوية، وقال: وقد روي حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثير يطول ذكرها: 1/ 58 بتخريج الوادعي.
= وهو مروى عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ ومجاهد وسعيد بن جبير، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافاً، انظر الدر المنثور: 1/ 41 — 42.
فأمر سبحانه في « أم الكتاب » التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ، والتي أعطيها نبينا ﷺ من كنز تحت العرش ، التي لا تجزئ صلاة إلا بها : أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم : غير المغضوب عليهم : كاليهود ، ولا الضالين كالنصارى .
وهذا « الصراط المستقيم » هو دين الإسلام المحض ، وهو مافي كتاب الله تعالى ، وهو « السنة والجماعة » فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض ،
(1) الصراط: هو الطريق المحدود المعتدل الذي يصل سالكه إلى مطلوبه بسرعة. وقد ذكر الله تعالى لفظ (الصراط) في كتابه في غير موضع، ولم يسم سبيل الشيطان صراطاً، بل سماها سبلاً، وخص طريقه باسم الصراط، كقوله (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الأنعام: 153.
= وفي المسند عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه من أجابه قذفه في النار ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه﴾ الآية [أخرجه أحمد في المسند: 1 — 435، والطبري في التفسير: 8/ 88، والحاكم: 2/ 318 وصححه وأقره الذهبي، والبغوي في شرح السنة: 1/ 196 وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارمي عن جابر].
= فسمى سبحانه طريقه صراطاً، وسمىٰ تلك سبلاً ولم يسمها صراطاً، كما سماها سبلاً، وطريقه يسميه سبيلاً كما يسميه صراطاً، وقال تعالىٰ عن موسىٰ وهارون: ﴿وآتيناهما الكتاب المستبين. وهديناهما الصراط المستقيم﴾ [الصافات: 117 — 118].
= وقال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتمَّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾ الفتح: 1 — 3.
= وهذه الهداية الخاصة التي أعطاه الله تعالى إياها ﷺ بعد فتح الحديبية أخص مما تقدم، فإن السالك إلى الله لا يزال يتقرب إليه بشيء بعد شيء ويزيده الله هدىً بعد هدى.
= وأقوم الطريق وأكملها الطريق الذي بعث الله بها نبينا محمداً ﷺ، كما قال تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الاسراء: 9] انظر: دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية بتحقيق: د. السيد الجليند: 1/ 167 — 168.
= واختلفت عبارات المفسرين في تفسير الصراط — وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد — هو: المتابعة لله وللرسول فروي أنه كتاب الله، وقيل: هو دين الله أي الإسلام، وقيل: طريق الجنة، وقيل: هو طريق النبي ﷺ وقيل: طريق السنة والجماعة، وقيل: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده..
= وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده — أبي بكر وعمر — فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً ولله الحمد.
= انظر تفسير ابن كثير: 1/ 55 — 56 بتخريج الوادعي، تفسير البغوي: 1/ 41 دار المعرفة.
فإن النبي ﷺ روي عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنن والمسانيد كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال : ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة » وفي رواية « من كان على مثل ماأنا عليه اليوم وأصحابي » .
(1) روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن عدد من الصحابة بألفاظ مختلفة فقد أخرجه أبو داود عن أبي هريرة وعن معاوية: 7/ 3 — 4 من مختصر المنذري في أول كتاب السنة، وأخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب: افتراق هذه الأمة: 7/ 397، ثم قال: وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك، وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وأقره المنذري في مختصره لأبي داود.
= وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة في الفتن برقم: (3991) 2/ 1321 وعن عوف بن مالك برقم (3992) قال في الزوائد: إسناد حديث عوف بن مالك فيه مقال، ثم أخرجه عن أنس بن مالك برقم (3993) وقال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
= وأخرجه الدارمي في كتاب السير. باب: افتراق هذه الأمة: 2/ 241 عن معاوية.
= وابن حبان في الفتن برقم: (1834) من موارد الظمآن. والحاكم في المستدرك: 1/ 128 — 129 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، والإمام أحمد في المسند: 2/ 232 أيضاً 3/ 120، 145 أيضاً 4/ 102.
= وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة عن معاوية: 1/ 7 وعن عوف بن مالك: 1/ 32 وقال الألباني: اسناده جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون غير عباد بن يوسف، وهو ثقة إن شاء الله. وعن أنس بن مالك: 1/ 32، وعن معاوية وأبي هريرة: 1/ 33 وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/ 100.
= والآجرى في الشريعة ص 14 — 16 وعزاه الهيثمي مطولاً لأبي يعلى، وقال: فيه يزيد الرقاشي ضعفه الجمهور وفيه لين وقد صح قبله حديث أبي بكرة وأبي سعيد، مجمع الزوائد: 6/ 226 وانظر: الأحاديث الصحيحة للألباني: 203 — 204 ومجموع فتاوىٰ شيخ الإسلام ابن تيمية: 22/ 357 و360.
= وقد اختلف العلماء في تحديد معنى الجماعة التي أمر النبي ﷺ بملازمتها وحذر من مفارقتها، وقد أجمل الشاطبي رحمه الله هذه الآراء في خمسة أقوال:
= أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام.
= والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين.
= والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً وقد يكون فيمن سواهم ذلك ويؤيد هذا ما جاء في بعض روايات الحديث عن الفرقة الناجية (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
= والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم. =
وهذه الفرقة الناجية « أهل السنة » ، وهم وسط في النِّحَل ؛ كما أن ملة الإسلام وسط في الملل .
فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين ؛ لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون .
= والخامس: أن الجماعة هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير (الاعتصام: 2/ 260 — 265 وقد عقد رحمه الله فصلاً نفيساً فيه جملة مسائل تتعلق بهذا الحديث فليراجع صفحة 166 — 271. وانظر فتح الباري 13/ 37.
= وما ننتهي إليه في معنى الجماعة: أنها الفرقة التي وصفها النبي ﷺ بالنجاة حيث قال: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». ومدار هذا على اتباع سنة النبي ﷺ وموافقة ما جاء به وهو الحق.
= فعن عمرو بن ميمون قال: قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ فوقع حبه في قلبي فلزمته حتى واريته في التراب بالشام، ثم لزمت أفقه الناس بعده: عبد الله بن مسعود فذكر يوماً عنده تأخير الصلاة عن وقتها فقال: صلوها في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة.
= قال عمرو بن ميمون فقيل لعبد الله بن مسعود وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: ياعمرو بن ميمون إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة. إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك.
= انظر مجموع الفتاوى: 3/ 179 وشرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 108 — 109.
(1) ميّز ابن تيمية بين النحلة والملة فقال عن أهل السنة هم وسط في النحل وقال عن ملة الإسلام إنها وسط في الملل، والملة كالدين اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله،
= والفرق بينهما وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي عليه الصلاة والسلام الذي تسند إليه نحو (اتبع ملة ابراهيم حنيفاً) ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبي ﷺ، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع وآحادها، فلا يقال ملة الله، ولا يقال ملتي وملة زيد كما يقال دين الله ودين زيد، ولا يقال الصلاة ملة الله.
= وأصل الملة من أمللت الكتاب قال تعالى: (فليملل الذي عليه الحق) وتقال الملة اعتباراً بالشيء الذي شرعه الله والدين يقال اعتباراً بمن يقيمه إذ كان معناه الطاعة (المفردات في غريب القرآن — للراغب الأصفهاني ص 472 — 473).
= والنحلة: أطلقها على مجموعة فرق أهل القبلة كما هو ظاهر من السياق وبخلاف ذلك ذكرها الشاطبي في الاعتصام 2/ 166.
(2) ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: 31]
ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود ؛ فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً .
بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزَّروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم ، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أرباباً ، كما قال تعالى : ﴿ ماكان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربَّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟ ﴾ .
ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في « المسيح » فلم يقولوا هو الله ولا ابن الله ولا ثالث ثلاثة ، كما تقوله النصارى ، ولا كفروا به ، وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً ، حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود ، بل قالوا : هذا عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه .
وكذلك المؤمنون « وسط في شرائع دين الله » فلم يحرموا على الله أن ينسخ ماشاء ويمحو ماشاء ويثبت ، كما قالته اليهود ، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم
(1) ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ البقرة: 61.
= ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾ آل عمران: 21.
(2) ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون﴾ [البقرة: 87].
(3) آل عمران: 79 — 80.
(4) ﴿يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد﴾ النساء: 171.
= ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً﴾ المائدة: 17.
(5) ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ النساء: 156 — 157.
بقوله : ﴿ سيقول السفهاء من الناس ماولَّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ وبقوله : ﴿ وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله قالوا : نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدِّقاً لما معهم ﴾ .
ولا جوَّزوا لأكابر علمائهم وعُبَّادهم أن يغيروا دين الله ، فيأمروا بما شاؤوا وينهوا عما شاؤوا ، كما يفعله النصارى ، كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله : ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ . قال عدي بن حاتم رضي الله عنه : قلت : يارسول الله ماعبدوهم ؟ قال : « ماعبدوهم ؛ ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم ، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم »
والمؤمنون قالوا : لله الخلق والأمر ، فكما لايخلق غيره لايأمر غيره . وقالوا : سمعنا وأطعنا ؛ فأطاعوا كل ماأمر الله به . وقالوا : ﴿ إن الله يحكم مايريد ﴾ . وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً .
وكذلك في صفات الله تعالى : فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة ؛ فقالوا : هو فقير ونحن أغنياء . وقالوا : يد الله مغلولة . وقالوا : إنه
(1) البقرة: 142.
(2) البقرة: 91.
(3) التوبة: 31.
(4) قطعة من حديث عدي بن حاتم. أخرجه الترمذي في التفسير، باب تفسير سورة التوبة، عن عدي قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه» وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. تحفة الأحوذي: 8/ 492.
= وأخرجه ابن جرير الطبري في التفسير: 10/ 114 وفيه جملة آثار عن الصحابة بنفس المعنى تقوي هذا الحديث، وأخرجه البيهقي في السنن: 10/ 116.
= وعزاه المباركفوري في التحفة لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه. انظر تحفة الأحوذي: 8/ 494، وحسنه الألباني في غاية المرام: ص 6 انظر النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص 53، قال الحافظ ابن كثير في التفسير 2/ 349 — 350: رواه أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه.
(5) المائدة: 1.
(6) ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ آل عمران: 181.
(7) ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ المائدة: 64.
تعب من الخلق فاستراح يوم السبت ، إلى غير ذلك .
والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به ، فقالوا : إنه يخلق ويرزق ؛ ويغفر ويرحم ، ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب .
والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ، ليس له سمي ولا ندّ ، ولم يكن كفواً أحد ، وليس كمثله شيء . فإنه رب العالمين وخالق كل شيء وكل ما سواه عباد له ، فقراء إليه ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً . لقد أحصاهم وعدهم عداً ، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾
ومن ذلك أمر الحلال والحرام . فإن اليهود كما قال الله تعالى : ﴿ فبظلم من
(1) هذا ما كتبوه هم بأيديهم وأسموه الكتاب المقدس فقد جاء في الفصل الثاني من سفر التكوين: (فأكملت السموات والأرض وجميع جيشها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي خلقه الله ليصنعه) [سفر التكوين — فصل: 2 رقم 1 — 3 ص 10] (... ستة أيام يصنع فيها عمل أما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدسة للرب لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفي اليوم السابع استراح وتنفس) [سفر الخروج — فصل: 31 رقم: 16 — 17].
= وليس عند اليهود خطيئة أعظم من عدم حفظ يوم السبت إلا عبادة الأوثان. والسبت هو شباث (SHABATH) في العبرانية بمعنى راحة لأن الله تعالى استراح فيه وأمر عباده بالاستراحة فيه، حيث يقولون: إن الإنسان ند لله وشريك له في خلق الكون، فالله عمل ثم استراح والإنسان يعمل دوره في الخلق ثم عليه أن يستريح!! ولعل تسمية هذا اليوم، بل لعل العادة نفسها قد جاءت من البابليين فقد كان هؤلاء يطلقون على أيام الصوم وأيام الدعاء (شَبْتو). [انظر اليهودية لأحمد شلبي ص 308 وقد أشار إلى المراجع هناك].
= وعن العقيدة عند اليهود وفي أسفارهم وما حكاه الله تعالى عن انحرافهم في فهم الذات الإلهية وتصورهم لها وما فيها من لوثات وثنية وانحرافات. انظر:
= — الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام: د. على عبد الواحد وافي ص 23 — 35 وقد أشار إلى المراجع.
= — خصائص التصور الإسلامي: للاستاذ سيد قطب ص 29 — 33.
= — الأسفار المقدسة قبل الإسلام: د. صابر طعيمة ص 109 — 156.
(2) لشيخ الإسلام كتاب ضخم في الرد على النصارى، طبع في أربع مجلدات بمطبعة المدني بالقاهرة هو: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.
(3) مريم: 93 — 95.
الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ ؛ فلا يأكلون ذوات الظفر ، مثل الإبل والبط . ولا شحم الثَّرْب والكليتين ؛ ولا الجدي في لبن أمه . إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما ؛ حتى قيل : إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً . والواجب عليهم مئتان وثمانية وأربعون أمراً وكذلك شدد عليهم في النجاسة حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت .
وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات ، وباشروا جميع النجاسات ، وإنما قال لهم المسيح : ﴿ ولأُحِلَّ لكم بعض الذي حُرِّم عليكم ﴾ ولهذا قال تعالى : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا
(1) النساء: 160. قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم» كما قال ابن أبي حاتم بسنده عن عمرو قال: قرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم.
= وهذا التحريم قد يكون قدرياً بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالاً لهم فحرموها على أنفسهم تشديداً منهم على أنفسهم وتضييقاً وتنطعاً، ويحتمل أن يكون شرعياً، بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالاً لهم قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿كل الطعام كان حلاً لبني اسرائيل إلا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة﴾ والمراد أن جميع الأطعمة كانت حلالاً لهم من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم اسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها.
= ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ [الأنعام: 146].
= أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه ولذلك قال: «فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً» تفسير ابن كثير: 1/ 585.
(2) الثَّرْب: وزان فَلْس: شحم رقيق على الكرش والأمعاء، نقل ابن جرير في التفسير: 8/ 74 عن السدي قال: في قوله تعالى ﴿حرمنا عليهم شحومهما﴾ قال: الثرب وشحم الكليتين وكانت اليهود تقول إنما حرمه إسرائيل فنحن نحرمه.
(3) قال ابن جرير: يقول الله تعالى: (وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والأنعام والاوز والبط. فعن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد وابن أبي نجيح هو: البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب، وعن سعيد: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، ومنه الديك. وعن قتادة: هو البعير والنعامة وما أشبهه من الطير والحيتان وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع) [تفسير ابن جرير الطبري: 8/ 72 — 74 وانظر ابن كثير: 2/ 185 — 186.
(4) أي لا يساكنونها في البيت تحت سقف واحد.
(5) آل عمران: 50.
يحرِّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ، من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾
وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله : ﴿ ورحمتي وسعتْ كل شيء ، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ﴾
وهذا باب يطول وصفه .
وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق :
فهم في « باب أسماء الله وآياته وصفاته » وسط بين « أهل التعطيل » الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ، ويعطلون حقائق ما نعَتَ الله به نفسه ؛ حتى
(1) التوبة: 29.
(2) الأعراف: 156 — 157.
(3) المعطِّلة: هم الذين يجحدون صفات الله سبحانه، وينكرون قيامها بذاته، وينفون ما دلت عليه من صفات الكمال فهي تجمع فرقاً كثيرة.
= وأول من قال بالتعطيل في الإسلام: الجعد بن درهم، وتلقاه عنه الجهم بن صفوان.
= والتعطيل ثلاثة أقسام كما ذكره ابن القيم رحمه الله:
= الأول: تعطيل المصنوع من صانعه، كتعطيل الفلاسفة الذين زعموا قدم هذه المخلوقات وأنها تتصرف بطبيعتها.
= الثاني: تعطيل الصانع من كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته، كتعطيل الجهمية وأشباههم من المعتزلة وغيرهم.
= الثالث: تعطيل حق معاملته بترك عبادته، أو عبادة غيره معه.
= وللإمام أحمد بن حنبل كتاب (الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله). وللإمام ابن القيم (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) وقد اختصره الشيخ محمد الموصلي، وله أيضاً (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية) وكلها مطبوعة.
يشبهوه بالعدم والموات ، وبين « أهل التمثيل » الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات .
فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ ؛ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف وتمثيل .
(1) التمثيل: هو التشبيه يقال: مثَّل الشيء بالشيء: سواه به وشبهه به وجعله مثله وعلى مثاله؛ فالشبيه والنظير والمثيل: ألفاظ متقاربة.
= فلا تمثل صفاته سبحانه بصفات خلقه، فإنه لا مثل له ولا شبه له ولا نظير، لا في ذاته وأسمائه ولا في صفاته وأفعاله، كما قال تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير».
= والتشبيه ينقسم إلى قسمين:
= الأول: تشبيه المخلوق بالخالق كتشبيه النصارى عيسى بالله وكتشبيه العزير وتشبيه المشركين أصنامهم بالله.
= الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق: كقول المشبهه لله يد كأيدينا وسمع كأسماعنا... وكل مشبه معطل.
= وبالعكس قال شيخ الإسلام في الحموية: وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل:
= أما المعطلون: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولاً وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من اسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى. انظر مجموع الفتاوى: 5/ 27.
(2) التحريف في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه حرفاً، (من باب ضرب) إذا أملته وغيرّته، والتشديد للمبالغة.
= وتحريف الكلام: إمالته عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر، لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح، فلابد من قرينة تبين أنه المراد.
= والفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأما التحريف: فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها.
= والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، فإن التعطيل أعم — مطلقاً — من التحريف، بمعنى: أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس.
= وبذلك يوجدان معاً فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق، ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مراد ولكنه لم يعين لها معنى آخر وهو ما يسمونه: التفويض. [انظر شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس ص 21 — 22].
(3) التكييف هو تعيين كنه الصفة يقال: كيَّف الشيء: أي جعل له كيفية معلومة، وكيفية الشيء صفته وحاله فالتكييف: تعيين كنه الصفة وكيفيتها وهذا مما استأثر الله به، فلا سبيل إلى الوصول إليه إذ الصفة تابعة للموصوف فكما لا يعلم كيف هو إلا هو فكذلك صفاته، فالصفات يُحذى فيها حذو الذات، وقد سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى فقيل له: (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم والكيف =
وهم في « باب خلقه وأمره » وسط بين المكذبين بقدرة الله ؛ الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء ؛ وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل . فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا : ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ﴾
فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير . فيقدر أن يهدي العباد ويقلّب قلوبهم ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده ، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات .
ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل ، وأنه مختار ، ولا يسمونه مجبوراً ؛ إذ المجبور من أُكره على خلاف اختياره ، والله سبحانه جعل العبد مختاراً لما يفعله فهو مختار مريد ، والله خالقه وخالق اختياره ، وهذا ليس له نظير . فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله .
وهم في « باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد » وسط بين الوعيدية ؛ الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ . وبين المرجئة الذين يقولون : إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء ، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان . ويكذّبون بالوعيد
= مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك روي عن ربيعة نحو من هذه الاجابة. وكذلك روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ.
= انظر: التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية — للشيخ عبد العزيز الرشيد ص 24.
= والفرق بين التكييف والتمثيل: أن التكييف: هو اعتقاد أن صفات الله تعالى على كيفية كذا أو يسأل عنها بكيف.
= وأما التمثيل: فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
= وليس المراد من قوله من غير كيف: أنهم ينفون الكيف مطلقاً، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه.
= انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص 22 — 23 والتنبيهات السنية ص 24.
(1) الأنعام: 148.
والعقاب بالكلية .
فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله ، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة ، وأنهم لا يخلدون في النار . بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان ، وأن النبي ﷺ ادَّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته .
وهم أيضاً في « أصحاب رسول الله » ﷺ ورضي عنهم وسط بين الغالية الذين يغالون في علي رضي الله عنه ، فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما ، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا ، وكفروا الأمة بعدهم كذلك ، وربما جعلوه نبياً أو إلهاً ، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره ، وكفر عثمان رضي الله عنهما ، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما . ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما ، ويقدحون في خلافة علي رضي الله عنه وإمامته .
وكذلك في سائر « أبواب السنة » هم وسط . لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
(1) لمزيد من التفصيل انظر فتاوىٰ شيخ الإسلام: 4/ 435 — 436 و471، 6/ 289 — 290، 35/ 125 — 126، وجاء دور المجوس د. عبد الله محمد الغريب ص 173 — 177.
وأنتم ــ أصلحكم الله ــ قد منَّ الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله ، وعافاكم الله مما ابتلي به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب . والإسلام أعظم النعم وأجلها ، فإن الله لا يقبل من أحد ديناً سواه ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾
وعافاكم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة ، مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية ، بحيث جعل عندكم من البغض
(1) آل عمران: 85.
(2) الرافضة تطلق كلمة الرافضة على معنيين عام وخاص: فقد كانت تطلق على أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقد خرج على هشام بن عبد الملك، فطعن عسكره في أبي بكر فمنعهم من ذلك، ولم يبق معه إلا مئتا فارس، فقال لهم: رفضتموني؟ قالوا: نعم فبقي عليهم هذا الاسم: [اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص 53]
= وقيل: أطلق عليهم هذا الاسم لأنهم رفضوا زيد بن علي لما سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وطلبوا إليه أن يتبرأ منهما، فأثنى عليهما خيراً وقال: ما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيراً وقد كانا وزيرى جدى، فلا أتبرأ منهما، فرفضوه وتفرقوا عنه فقال لهم: رفضتموني؟ فأطلق عليهم من ذلك الوقت اسم الرافضة. [انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي وتعليق الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد عليه. ص 21، مقالات الإسلاميين — للأشعري 2/ 88 وما بعدها].
= ثم أطلقت الرافضة على فرق الشيعة وعلى هذا أطلقها البغدادي في الفرق بين الفرق، وبهذا المعنى استعملها شيخ الاسلام ابن تيمية في رده عليهم، في مواطن كثيرة من كتبه وفتاواه، فقد ذكر كثيراً من حماقات الشيعة في منهاج السنة مما يتفق مع ما جاء في هذه الرسالة. [انظر منهاج السنة النبوية: 1/ 13 وما بعدها].
(3) الجهمية: اتباع جهم بن صفوان الراسبي الترمذي، الضال المبتدع، قال جهم وأتباعه: إن الجنة والنار تفنيان وتبيدان بعد دخول أهلهما حتى لا يبقى موجود سوى الله. وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر: هو الجهل بالله فقط، وأن الله تعالى محدث وعلمه محدث، وأنه لا فعل لأحد غير الله تعالى، وامتنع من وصف الله بأنه موجود، وكان يقول: إن الله تعالى لا يوصف بشيء مما يوصف به العباد فلا يجوز أن يقال في حقه: إنه حي أو عالم أو مريد... [وعن جهم والجهمية انظر: اعتقادات فرق المسلمين ص 68، الفرق بين الفرق ص 211 — 212، تعريفات الجرجاني 108، والتبصير في الدين للاسفرايني ص =
لمن يكذب بأسماء الله وصفاته ، وقضائه وقدره ، أو يسبُّ أصحاب رسول الله ﷺ ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة ، وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك ، فإن هذا من تمام الإيمان وكمال الدين ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين ، وما زال في عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيَّدة منكم من يؤيد الله به الدين ، ويعز به المؤمنين .
= 107 — 108، الملل والنحل للشهرستاني بهامش الفِصَل 1/ 109 — 112، ميزان الاعتدال: 1/ 426. ولشيخ الإسلام ردود كثيرة عليهم منها كتابه الضخم: بيان تلبيس الجهمية بتأسيس بدعهم الكلامية، جزءان].
(4) الخوارج: هم الذين خرجوا علي سيدنا علي رضي الله عنه بعد التحكيم لأنه قبل التحكيم، وهم الذين حملوه على التحكيم وقالوا: القوم يدعوننا إلى كتاب الله وأنت تدعونا إلى السيف؟ ولما قبل علي ذلك قالوا، إنك كفرت لأنك حكَّمت الرجال.
= وللخوارج أسماء شتى منها: المحكمة والشراة، الحرورية، النواصب، المارقة، وهم فرق شتى تبلغ العشرين فرقة، أصولها هي المحكمة الأولى والأزارقة والنجدات والصفرية والعجارده.. ومن مبادئهم التي تجمعهم: إكفار علي وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، والخروج عن السلطان الجائر، وأن مرتكب الكبيرة كافر. [انظر بالتفصيل: مقالات الاسلاميين: 1/ 56، الفرق بين الفرق ص 72 — 109، الملل والنحل: 1/ 154 — 185، اعتقادات فرق المسلمين ص 46 — 51، التبصير في الدين ص 45 — 62، تاريخ المذاهب الاسلامية لأبي زهرة ص 60 — 79، الأديان والفرق والمذاهب لعبد القادر شيبة الحمد ص 103 — 144].
(5) القدرية: وهم الذين ينفون القدر فيقولون: لاقدر والأمر أُنُف، ويزعمون أن كل عبد خالق لفعله، فالأمور يستأنف العلم بها، وتستأنف بالتالي ارادتها، وكأنهم بهذا ينفون الارادة الأزلية والعلم الأزلي القديم ليخرجوا فعل الانسان عن نطاق قدرة الخلاق العليم، ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى: وقد نسبوا للقدر مع أنهم من نفاته، فهم قد نُسبوا إلى ضد ما يقولون، وقيل سموا بذلك لأنهم نفوا القدر عن الله وأثبتوه للعبد، وقد جاءت نصوص كثيرة بتسميتهم مجوس هذه الأمة، ويرجع كثير من المؤرخين أصول هذه البدعة إلى المجوسية وإلى رجل من أهل العراق كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر وأخذ عنه معبد الجهني وغيلان الدمشقي وهما أول من قال بهذه البدعة. [انظر تعريفات الجرجاني: 222، الفِصَل لابن حزم: 3/ 22 وما بعدها، شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1/ 23 — 25 من مقدمة المحقق، تاريخ المذاهب الاسلامية: 111 — 124].
= وعن تسميتهم بمجوس هذه الأمة: انظر: الشريعة للآجري: 149 — 194، شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/ 534 وما بعدها.
وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية والطريقة المرضية ، وله المكاشفات والتصرفات .
وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين ، فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم ، مثل الملقب بشيخ الإسلام « أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري » وبعده الشيخ العارف القدوة « عدي بن مسافر الأموي » ومن سلك سبيلهما ، فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظَّم الله به أقدارهم ، ورفع به منارهم .
والشيخ « عدي » قدس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر المشايخ المتبعين ، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك . وله في الأمة صيت مشهور ولسان صدق مذكور ، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم ، كالشيخ الإمام الصالح « أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ، ثم
(1) الأحوال، عند من عرف عنهم التصوف هي: المواهب الفائضة على العبد من ربه، إما واردة عليه ميراثاً للعمل الصالح، المزكي للنفس، المصفي للقلب، وإما نازلة من الحق امتناناً محضاً، وإنما سميت أحوالاً: لتحول العبد بها من الرسوم الخلقية ودركات البعد إلى الصفات الخفية ودرجات القرب، وهو معنى الترقي. [انظر: اصطلاحات الصوفية للقاشاني ص 26].
= والطريقة هي: السَّيْر بالسَّيْر المختصة بالسالكين إلى الله، من قطع المنازل والترقي في المقامات [المرجع السابق ص 65].
= والكشف: في اللغة هو: رفع الحجاب، وفي اصطلاحهم هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية، وجوداً وشهوداً. التعريفات للجرجاني ص 237].
(2) الهكاري: شيخ الإسلام أبو الحسن، علي بن أحمد بن يوسف الأموي السفياني الهكاري. رحل وسمع بمصر من ابن نظيف الفراء، وببغداد من ابن بشران. قال ابن منده: قدم علينا وكان صاحب صلاة وعبادة واجتهاد من كبراء الصوفية، وقال ابن عساكر لم يكن موثقاً في روايته، وقال ابن النجار: متهم بوضع الحديث وتركيب الأسانيد. كانت ولادته سنة تسع وأربعمئة وتوفي في أول المحرم سنة ست وثمانين وأربعمئة بالهكارية.
= والهكاري: بفتح الهاء وتشديد الكاف وبعد الألف راء — نسبة إلى قبيلة من الأكراد لهم معاقل وحصون وقرى فوق بلاد الموصل، من جهتها الشرقية. [انظر: وفيات الأعيان: 3/ 345، ميزان الاعتدال: 3/ 122، البداية والنهاية: 12/ 145، سير اعلام النبلاء: 19/ 67 — 69، شذرات الذهب: 3/ 378 — 379].
« الدمشقي » وكشيخ الإسلام « الهكاري » ونحوهما .
وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول « أهل السنة والجماعة » بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم ، وأعلى منارهم ، وغالبُ ما يقولون في أصولها الكبار جيد ، مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم ــ من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة ؛ كأحاديث لا تثبت ، ومقاييس لا تطَّرد ــ ما يعرفه أهل البصيرة .
وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يُحْكِموا معرفة الكتاب والسنة ، والفقه فيهما ، ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها ، مع ما يضم إلى ذلك من غلبة الأهواء ، وكثرة الآراء . وتغلظ الاختلاف والافتراق ، وحصول العداوة والشقاق .
فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب « قوة الجهل والظلم » اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله : ﴿ وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ فإذا منَّ الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا الضلال ، وقد قال سبحانه : ﴿ والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ وقد قال تعالى : ﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
(1) الدمشقي: عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي ثم المقدسي ثم الدمشقي، أبو الفرج الأنصاري السعدي العبادي الخزرجي: شيخ الشام في وقته، حنبلي أصله من شيراز تفقه ببغداد وسكن بيت المقدس واستقر في دمشق ونشر مذهب الإمام ابن حنبل، من كتبه (المنتخب) في الفقه مجلدان و(المبهج) و(الايضاح) و(التبصرة) في أصول الدين. توفي بدمشق سنة ست وثمانين وأربعمائة وكانت ذريته فيها تعرف ببيت ابن الحنبلي [انظر مختصر طبقات الحنابلة: 401 — 402، شذرات الذهب: 3/ 378، الأعلام: 4/ 177].
(2) الأحزاب: 72.
(3) سورة العصر.
(4) سورة السجدة: 24.
وأنتم تعلمون ــ أصلحكم الله ــ أن « السنة » التي يجب اتباعها ، ويحمد أهلها ويُذَمُّ من خالفها : هي سنة رسول الله ﷺ : في أمور الاعتقادات ، وأمور العبادات ، وسائر أمور الديانات . وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله ، وما تركه من قول وعمل . ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان .
وذلك « في دواوين الإسلام المعروفة » : مثل صحيحي البخاري ومسلم ، وكتب السنن . مثل سنن أبي داوود ، والنسائي ، وجامع الترمذي ، وموطأ الإمام مالك ، ومثل المسانيد المعروفة ؛ مثل مسند الإمام أحمد وغيره . ويوجد في كتب « التفاسير » و « المغازي » وسائر « كتب الحديث » جُمُلها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض . وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله .
وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب « عقائد أهل السنة » مثل : حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، وعثمان بن سعيد الدارمي ، وغيرهم في طبقتهم .
(1) حماد بن سلمة بن دينار البصري الرَّبَعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، وأحد رجال الحديث، ومن النحاة، كان حافظاً ثقة مأموناً إلا أنه لما كبر ساء حفظه فتركه البخاري، ونقل الذهبي: كان حماد إماماً في العربية فقيهاً فصيحاً مفوهاً شديداً على المبتدعة، له تآليف. وقال ابن ناصر الدين: هو أول من صنف التصانيف المرضية، توفي سنة سبع وستين ومئة (تهذيب التهذيب 3/ 11 — 14).
(2) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، من كبار حفاظ الحديث وله فيه تصانيف، حدَّث ببغداد، قال الشافعي، لا أعرف له نظيراً في الدنيا. وقال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه. مولده بالبصرة سنة خمس وثلاثين ومئة ووفاته بها سنة ثمان وتسعين ومئة. (تهذيب التهذيب: 6/ 250، حلية الأولياء: 9/ 3، تاريخ بغداد: 10/ 240).
(3) عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي السمرقندي أبو محمد، من حفاظ الحديث، ولي قضاء سمرقند فقضى قضية واحدة واستعفى فاعفى، وهو صاحب السنن، وله المسند في الحديث والثلاثيات، ولد عام إحدى وثمانين ومئة وتوفي عام خمس وخمسين ومئتين (تهذيب التهذيب: 5/ 294، الأعلام: 4/ 95).
(4) عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني، أبو سعيد، محدث هراة، له تصانيف في الرد على =
ومثلها ما بوَّب عليه البخاري ، وأبو داود ، والنَّسائي ، وابن ماجه وغيرهم في كتبهم .
ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم ، وعبد الله بن أحمد ، وأبي بكر الخلَّال وأبي القاسم الطبراني ، وأبي الشيخ الأصبهاني ، وأبي بكر
= الجهمية منها: (النقض على بشر المريسي) وله مسند كبير، كانت ولادته سنة مئتين ووفاته في هراة سنة ثمانين ومئتين (الاعلام: 4/ 205 — 206).
(1) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال الكلبي، الأثرم، الاسكافي، أبو بكر من حفاظ الحديث، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة وصنفها ورتبها، له كتاب في (علل الحديث) وآخر في (السنن) توفي سنة إحدى وستين ومئتين. (مختصر طبقات الحنابلة: ص 37 — 39، تاريخ بغداد: 5/ 110، الأعلام: 1/ 205).
(2) عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي، أبو عبد الرحمن، حافظ للحديث، له (الزوائد) على كتاب الزهد لأبيه و(زوائد المسند) و(مسند أهل البيت) ولد سنة ثلاث عشرة ومئتين وتوفي سنة تسعين ومئتين (تهذيب التهذيب: 5/ 141، مختصر طبقات الحنابلة ص 131 — 134، الأعلام: 4/ 65).
(3) أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر الخلال، مفسر، عالم بالحديث واللغة، من كبار الحنابلة، من أهل بغداد، من مصنفاته: (تفسير الغريب، وطبقات أصحاب ابن حنبل، والسنة، والجامع لعلوم الإمام أحمد) توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمئة. (مختصر طبقات الحنابلة ص 295 — 297، البداية والنهاية: 11/ 148، الأعلام: 1/ 206).
(4) سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، اللخمي الشامي، أبو القاسم، من كبار المحدثين، أصله من طبرية الشام وإليها نسبته، ولد بعكا سنة ستين ومئتين ورحل إلى الحجاز واليمن ومصر والعراق وفارس والجزيرة، وتوفي بأصفهان سنة ستين وثلاثمئة له ثلاثة معاجم في الحديث، والأوائل ودلائل النبوة وغيرها) وفيات الأعيان: 2/ 407، الأعلام: 3/ 121.
(5) عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان الأصبهاني، أبو محمد، من حفاظ الحديث العلماء برجاله، ويقال له: أبو الشيخ ونسبته إلى جده حبان، له تصانيف منها: (طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها، وأخلاق النبي وآدابه، وكتاب السنة، والعظمة) ولد سنة أربع وسبعين ومئتين وتوفي سنة تسع وستين وثلاثمئة. (الأعلام: 4/ 120).
الآجُرِّي ، وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي القاسم اللالكائي وأبي عبد الله ابن بطة ؛ وأبي عمرو الطلمنكي ، وأبي نعيم
(1) محمد بن الحسين بن عبد الله، ابو بكر الآجري، فقيه شافعي محدث، نسبته إلى آجر من قرى بغداد، ولد فيها وحدث ببغداد، ثم انتقل إلى مكة وتوفي فيها سنة ستين وثلاثمئة، له تصانيف كثيرة منها: (أخبار عمر بن عبد العزيز، أخلاق العلماء، الشريعة، الغرباء) [وفيات الأعيان: 4/ 292 — 293، تاريخ بغداد: 2/ 243، الأعلام: 6/ 97].
(2) علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني الشافعي: إمام عصره في الحديث، وأول من صنف القراءات ولد بدار القطن (من أحياء بغداد) سنة ست وثلاثمئة وتوفي فيها سنة خمس وثمانين وثلاثمئة له كتاب: (السنن) و(العلل الواردة في الأحاديث النبوية) و(المجتبى من السنن المأثورة) وغيرها. [تاريخ بغداد: 12/ 34 — 40 البداية والنهاية: 11/ 317 — 318، سير أعلام النبلاء: 16/ 449 — 461، شذرات الذهب: 3/ 116 — 117].
(3) محمد بن اسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، أبو عبد الله العبدي الأصبهاني، من كبار حفاظ الحديث المكثرين من التصنيف فيه، ولد سنة عشر وثلاثمئة بأصبهان وتوفي سنة خمس وتسعين وثلاثمئة، له مصنفات كثيرة منها: (الرد على الجهمية) و(معرفة الصحابة) و(كتاب التوحيد ومعرفة اسماء الله عز وجل وصفاته على الاتفاق والتفرد) و(الايمان) [البداية والنهاية: 11/ 336، سير أعلام النبلاء: 17/ 28 — 42، وانظر مقدمة كتاب التوحيد وكتاب الايمان لابن منده تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي].
(4) هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري، أبو القاسم اللالكائي: حافظ للحديث، من فقهاء الشافعية من أهل طبرستان استوطن بغداد ومات بها سنة ثماني عشرة وأربعمئة، من مصنفاته: (شرح السنة) و(أسماء رجال الصحيحين) و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) وغيرها [تاريخ بغداد: 14/ 70 — 71، البداية والنهاية: 12/ 24، شذرات الذهب: 3/ 211، سير أعلام النبلاء: 17/ 419 — 420، وانظر مقدمة التحقيق لكتاب: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي. د. أحمد سعد حمدان].
(5) عبد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبري، المعروف بابن بطة: عالم بالحديث، فقيه من كبار الحنابلة، من أهل عكبرا مولداً ووفاة، رحل كثيراً في طلب الحديث، ولد سنة أربع وثلاثمئة، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمئة، له تصانيف كثيرة منها: (الشرح والابانة على أصول السنة والديانة) و(السنن) و(المناسك) و(الانكار على من قضى بكتب الصحف الأولى) و(ذم البخل) و(التفرد والعزلة) وغير ذلك. [مختصر طبقات الحنابلة ص 346 — 349، الأعلام: 4/ 197.
(6) أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى المعافري الأندلسي الطلمنكي، أبو عمرو: أول من أدخل علم القراءات إلى الأندلس، كان عالماً بالتفسير والحديث، أصله من طلمنكة (ثغر الأندلس الشرقي) سكن قرطبة ورحل إلى الأندلس، ولد سنة أربعين وثلاثمئة وتوفي في طلمنكة سنة تسع وعشرين وأربعمئة، من كتبه: (الدليل إلى معرفة الجليل) و(تفسير القرآن) و(الوصول إلى معرفة الأصول) و(فضائل مالك) وغيرها. الأعلام: 1/ 213.
الأصبهاني ، وأبي بكر البيهقي ، وأبي ذر الهروي . وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة .
وقد يروي كثير من الناس : في الصفات ، وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين : أحاديث كثيرة تكون مكذوبة ، موضوعة على رسول الله ﷺ وهي قسمان :
منها ما يكون كلاماً باطلاً لا يجوز أن يقال ، فضلاً عن أن يضاف إلى النبي ﷺ .
والقسم الثاني من الكلام : ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو بعض الناس ، ويكون حقاً . أو مما يسوغ فيه الاجتهاد ، أو مذهباً لقائله ، فيعزى إلى النبي ﷺ ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث ، مثل المسائل التي وضعها
(1) أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم: حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، ولد في أصبهان سنة ست وثلاثين وثلاثمئة وتوفي فيها سنة ثلاثين وأربعمئة، صاحب التصانيف المفيدة الكثيرة منها، (حلية الأولياء) و(معرفة الصحابة) و(دلائل النبوة) وغيرها. [وفيات الأعيان: 1/ 91 — 92، البداية والنهاية: 12/ 45، طبقات الشافعية: للسبكي: 4/ 18 — 25، الأعلام: 1/ 157.
(2) أحمد بن الحسين بن علي، الحافظ، أبوبكر البيهقي، النيسابوري، ولد في خُسْرَوجَرْد سنة أربع وثمانين وثلاثمئة ونشأ في بيهق ورحل إلى بغداد ثم إلى الكوفة ومكة وغيرها، وسمع من جلة من المشايخ، وهو صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة منها: (السنن الكبرى) و(السنن الصغرى) والأسماء والصفات) و(دلائل النبوة) و(معرفة السنن والآثار) و(مناقب الشافعي) و(شعب الإيمان).
= قال إمام الحرمين عنه: ما من شافعي إلا وللشافعي فضل عليه غير البيهقي فإن له المنة والفضل على الشافعي، لكثرة تصانيفه في نصرة مذهبه وبسط موجزه وتأييد آرائه، توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمئة [البداية والنهاية: 12/ 94، طبقات الشافعية: 4/ 8 — 16، شذرات الذهب: 3/ 304. وللدكتور أحمد بن عطية الغامدي: رسالة دكتوراه عن البيهقي بعنوان: البيهقي وموقفه من الإلهيات، الأعلام: 1/ 116 — 117].
(3) عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير أبو ذر الأنصاري الهروي: عالم بالحديث من الحفاظ، من فقهاء المالكية، يقال له: ابن السماك، أصله من هراة نزل بمكة ومات بها سنة أربع وثلاثين وأربعمئة، له تصانيف منها (تفسير القرآن) و(المستدرك على الصحيحين) والسنة والصفات، ومعجمان أحدهما فيمن روى عنهما الحديث والثاني فيمن لقيهم ولم يأخذ عنهم. [تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص 255 — 256 شجرة النور الزكية: 1/ 104 — 105، الأعلام: 3/ 269].
الشيخ « أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري » وجعلها محنة يفرّق فيها بين السني والبدعي ، وهي « مسائل معروفة » عملها بعض الكذابين وجعل لها إسناداً إلى رسول الله ﷺ وجعلها من كلامه ، وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى .
وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقاً لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع ، مثل أول نعمة أنعم بها على عبده ، فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة ، والنزاع فيها لفظي لأن مبناها على أن اللذة [ التي ] يعقبها ألم ؛ هل تسمى نعمة أم لا ؟ وفيها أيضاً أشياء مرجوحة .
فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب ، فإن السنة هي الحق دون الباطل ؛ وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة ، فهذا « أصل عظيم » لأهل الإسلام عموماً ولمن يدَّعي السنة خصوصاً .
(1) سبقت ترجمته في ص (59).
(2) انظر: عقيدة أهل السنة والجماعة للشيخ عدي بن مسافر، ص 12، 13.
(3) أي الأحاديث الثابتة بسند مقبول بما يشمل الصحيح والحسن.
(4) الحديث: هو اسم من التحديث، وهو الإخبار، ثم سمي به كل قول أو فعل أو تقرير نسب إلى النبي ﷺ. والحديث الصحيح: هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من أول السند إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة [انظر: الكليات للكفوي: 2/ 202 — 203، الباعث الحثيث لابن كثير ص 17].
= وأما المكذوب: وهو المختلق المصنوع الذي ينسب إلى رسول الله ﷺ كذباً، فهو ليس حديثاً عند التحقيق، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ، وإنما سماه علماء المصطلح حديثاً، لأن من يرويه يزعم أنه حديث ويسوقه مساق الأحاديث، ولذلك لما قال ابن الصلاح رحمه الله: (اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة) تعقبه الحافظ ابن حجر فقال: هذه العبارة سبقه إليها الخطابي واستنكرت، لأن الموضوع ليس من الحديث النبوي إذ أفعل التفضيل إنما يضاف إلى بعضه. ثم قال: ويمكن الجواب بأنه: أراد الحديث القدر المشترك وهو ما يحدث به. انظر: [النكت على ابن الصلاح — للحافظ ابن حجر: 2/ 838].
= ولذلك نقول في بيانه: إنه ليس حديثاً بل هو مكذوب على رسول الله ﷺ.
= وفي تحريم روايته مع العلم بوضعه سواء في الأحكام أو القصص أو غيرها إلا لبيان وضعه انظر: تدريب الراوي للسيوطي: 1/ 274 وما بعدها، النكت على ابن الصلاح: 2/ 839 — 840، قواعد التحديث للقاسمي ص 150.
وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه . والجافي عنه . والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر : إما إفراط فيه ، وإما تفريط فيه .
وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه ، قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه ؛ حتى أخرجه عن كثير من شرائعه ؛ بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه ، حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية .
وأمر النبي ﷺ بقتال المارقين منه ؛ فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين « علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري ، وسهل بن حنيف ، وأبي ذر الغفاري ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، وابن مسعود » رضي الله عنهم ، وغير هؤلاء . أن النبي ﷺ ذكر الخوارج فقال « يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم ؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ، لئن أدركتهم لأقتلنهم
(1) الإفراط والتفريط كلاهما تضييع لأمر الله وعدم تعظيم له، إذ ينبغي أن يكون المسلم وقافاً عند أمر الله تعالى لا يجاوزه ولا يقصر فيه، وكل انحراف عن أمر الله إنما هو نزغة من الشيطان.
= قال ابن القيم رحمه الله: (وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو. ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه عن الحد). مدارج السالكين: 2/ 496
= وعن وسطية الاسلام والتوازن فيه انظر: خصائص التصور الإسلامي للاستاذ سيد قطب فصل التوازن، منهج التربية الإسلامية: للاستاذ محمد قطب فصل: خطوط متقاتلة، مستقبل الحضارة بين الإسلام والشيوعية والعلمانية: للاستاذ: يوسف كمال محمد ص 115 وما بعدها، الفوائد: لابن القيم: 183.
قتل عاد » ، وفي رواية « شر قتيل تحت أديم السماء ، خير قتيل من قتلوه » وفي رواية « لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوي لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل » .
وهؤلاء لما خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ قاتلهم هو وأصحاب رسول الله ﷺ بأمر النبي ﷺ وتحضيضه على قتالهم . واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام .
وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين وخرج عن سنة رسول الله ﷺ وشريعته من أهل الأهواء المضلة والبدع المخالفة .
ولهذا قاتل المسلمون أيضاً « الرافضة » الذين هم شرٌّ من هؤلاء ، وهم الذين يكفِّرون جماهير المسلمين ، مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم . ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كافر ، ويكفرون من يقول : إن الله يُرىٰ في الآخرة ، أو يؤمن
(1) زوي لهم: جمع لهم.
(2) البخاري: في كتاب الأنبياء: باب قول الله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هوداً) عن أبي سعيد الخدري: 6/ 376 وفي المناقب 6/ 618 وفي الأدب: 10/ 552 وفي استتابة المرتدين: 12/ 283 و290.
= مسلم: في الزكاة: باب ذكر الخوارج وصفاتهم: 2/ 741 — 750. وأبو داود في السنة باب في قتال الخوارج: 7/ 155 — 156. والترمذي في الفتن. باب ماجاء في صفة المارقة: 6/ 426 وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في كتاب: تحريم الدم. باب: من شهر سيفه ثم وضعه في الناس 7/ 118 — 120. وابن ماجه في المقدمة. باب: في ذكر الخوارج: 1/ 59 — 60. والدارمي في الجهاد. باب قتال الخوارج، وابن أبي عاصم في السنة: باب المارقة والحرورية والخوارج 2/ 440 — 457. والإمام أحمد في المسند: 1/ 88 و91 و107 وفي مواضع أخرى ومالك في الموطأ: باب: ماجاء في القرآن: 1/ 348 من المنتقى للباجي. والآجرى في الشريعة ص 24 — 25. وابن حبان برقم: (1834) ص 454. وسعيد بن منصور في سننه: 2/ 323 برقم (2903) في باب جامع الشهادة.
(3) انظر مسند الإمام أحمد: 1/ 86 و88 و91 و107 و113 و139 وموطأ مالك: رقم 165 و166.
بصفات الله وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة ، ويكفِّرون من خالفهم في بدعهم التي هم عليها .
فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف ، ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم ، ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر ، ويقنتون في الصلوات الخمس ، ويحرمون الفقاع ، وذبائح أهل الكتاب ، وذبائح من خالفهم من المسلمين ، لأنهم عندهم كفار ، ويقولون على الصحابة رضي الله عنهم أقوالاً عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا ، إلى أشياء أخر ، فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله .
(1) قال الحلي من فقهاء الإمامية في كتابه المختصر النافع صفحة (6) وهو يعدد فرائض الوضوء الخامس: (مسح الرجلين إلى الكعبين، وهما قبَّتا القدم، ويجوز منكوساً، ولا يجوز على حائل من خف وغيره إلا للضرورة).
(2) انظر: المختصر النافع صفحة: 69.
(3) الفقع: (بكسر الفاء وفتحها): أردأ أنواع الكمأة، والفَقَّاع: الخبيث الشديد والفُقّاع: شرب يتخذ من الشعير يخمرَّ حتى تعلوه فقاعاته [المعجم الوسيط: 2/ 698].
فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين ، قد انتسب إلى الإسلام مَن مرق منه مع عبادته العظيمة ؛ حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم ، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام والسنة ، حتى يدَّعي السنة من ليس من أهلها ، بل قد مرق منها وذلك « بأسباب » :
( ١ ) منها الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه حيث قال : ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ﴾ وقال تعالى : ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ﴾ ؛ وقال النبي ﷺ : « إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » وهو حديث صحيح .
(1) النساء: 171.
(2) المائدة: 77.
(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 1/ 215 و347. والنسائي في المناسك: باب إلتقاط الحصى 5/ 268 — 269 وابن ماجه في المناسك: باب: في قدر حصى الرمي برقم (3029). وابن حبان في الحج باب: ماجاء في الرمي برقم (1011) ص 249. وابن أبي عاصم في السنة: 1/ 46 وقال الألباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات رجال الشيخين إلا عوف — وهو ابن أبي جميلة — قد سمعه من أبي العالية. وابن خزيمة في الحج — باب التقاط الحصى لرمي الجمار: 4/ 274 والحاكم: 1/ 466 وصححه ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن: 5/ 127.
= والحديث صححه الضياء المقدسي في المختاره والنووي في المجموع وابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم انظر الأحاديث الصحيحة للألباني: 3/ 278. ورواه عبد الرزاق في أماليه والطبراني في الكبير: انظر النهج السديد ص 109.
( ٢ ) ومنها التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز .
( ٣ ) ومنها أحاديث تُروى عن النبي ﷺ وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة ، يسمعها الجاهل بالحديث فيصدق بها لموافقة ظنه وهواه .
( ٤ ) وأصل الضلال : اتباع الظن والهوى ، كما قال الله تعالى في حق من ذمهم : ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ؛ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وقال في حق نبيه ﷺ : ﴿ والنجم إذا هوى ، ما ضلَّ صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إنْ هو إلا وحي يوحى ﴾ ، فنزّهه عن الضلال والغواية اللذين هما الجهل والظلم ، فالضال هو الذي لا يعلم الحق ، والغاوي الذي يتبع هواه . وأخبر أنه ما ينطق عن هوى النفس ؛ بل هو وحي أوحاه الله إليه فوصفه بالعلم ونزّهه عن الهوى .
وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة وقد مرق منها وصار من أكابر الظالمين . وهي فصول :
(1) حيث قال الله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) آل عمران: 105 وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) الأنعام: 159.
(2) وقد بحث العلماء رحمهم الله في نشأة وضع الحديث والبواعث التي أدت إلى الوضع، والجهود التي بذلت لمقاومة حركة الوضع، وخصصت كتب لبيان الموضوعات مثل: كتاب الموضوعات للحافظ أبي الفرج ابن الجوزى (ت: 597)، والمغنى عن الحفظ والكتاب لأبي حفص عمر بن بدر الموصلي (ت: 622)، والدر الملتقط في تبين الغلط لأبي الفضل حسن بن محمد الصغاني (ت: 650)، وتذكرة الموضوعات لابن طاهر المقدسي (ت: 707)، اللآلئ المصنوعة للسيوطي وله أيضاً ذيل عليه. وتذكرة الموضوعات لمحمد بن طاهر الفتّني (ت: 986)، والموضوعات للشيخ علي القاري الحنفي (ت: 1014)، والفوائد المجموعة للشوكاني (ت: 1250)... وغيرها.
= [انظر: السنة ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله صفحة 75 — 122، السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب صفحة: 185 — 292].
(3) سورة النجم، الآية 23.
(4) سورة النجم، الآيات 1 — 4.
أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام مما نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان ، بل كفر شنيع .
وقد يقولون من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثاً ؛ مثل حديث يروونه : أن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق ، يصافح الركبان ويعانق المشاة . وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله ﷺ ، وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق ، ولم يَرْوِ هذا الحديث أحد من علماء المسلمين أصلاً ، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله ﷺ . وقال أهل العلم ــ كابن قتيبة وغيره ــ هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار ليشينوا به [ على ] أهل الحديث ، ويقولوا : إنهم يروون مثل هذا .
وكذلك حديث آخر : فيه أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام
(1) في الذيل: (رأيت ربي بمنى يوم النفر على جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس): موضوع لا أصل له. انظر تذكرة الموضوعات لمحمد بن طاهر الفتّني ص 12 — 13 والفوائد المجموعة للشوكاني: ص 447.
(2) كتب بعضهم إلى ابن قتيبة — رحمه الله — بما وقف عليه من ثَلْب أهل الكلام أهل الحديث، وامتهانهم، وإسهابهم في الكتب بذمهم، ورميهم بحمل الكذب، ورواية المتناقض، وافترائهم على الله تعالى في أحاديث التشبيه، كحديث عرق الخيل، وهو: «أن الله تعالى لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل، فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك العرق» وكحديث: «زغب الصدر» و«الذراعين» و«عبادة الملائكة»... الخ وكلها أحاديث مكذوبة، وضعها الزنادقة ليشنّعوا على أصحاب الحديث في روايتهم المستحيل.
= ولذلك وضع، رحمه الله، كتابه: «تأويل مختلف الحديث» وذكر فيه ما قد يزعمه بعضهم من التناقض بين الأحاديث الشريفة، أو بينها وبين الآيات الكريمة، وتأوّل ذلك بما يزيل التناقض والإشكال. [انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ص 3 — 13]. =
الحجيج وعليه جبة صوف ، أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله ، الذي لا يقوله من عرف الله ورسوله ﷺ .
وهكذا حديث فيه « أن الله يمشي على الأرض ، فإذا كان موضع خضرة قالوا : « هذا موضع قدميه » ويقرءون قوله تعالى : ﴿ فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ﴾ . هذا أيضاً كذب باتفاق العلماء . ولم يقل الله فانظر إلى آثار خطى الله ، وإنما قال : ( آثار رحمة الله ) ورحمته النبات .
وهكذا أحاديث في بعضها « أن محمداً ﷺ رأى ربه في الطواف » وفي بعضها « أنه رآه وهو خارج من مكة » وفي بعضها « أنه رآه في بعض سكك
= وقال: «والحديث يدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة، منها: الزنادقة واحتيالهم للإسلام وتهجينه بدسّ الأحاديث المستشنعة والمستحيلة، كالأحاديث التي قدّمنا ذكرها، مع أشياء كثيرة ليست تخفى على أحد» (ص: 279).
= وقد ذكر الشيخ مصطفى السباعي، رحمه الله، أسباب وضع الحديث وبيّن أثر الزنادقة ودورهم في ذلك في كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 83 — 85.
(1) حديث: إذا كان عشية عرفة، هبط الله إلى سماء الدنيا، فيطلع إلى أهل الموقف فيقول: مرحباً بزواري والوافدين إلى بيتي، وعزتي لأنزلن إليكم، ولأساوينّ مجلسكم بنفسي، فينزل إلى عرفة، فيعمهم بمغفرته، فيعطيهم ما يسألون إلا المظالم. فيقول: ياملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم فلا يزال كذلك إلى أن تغيب الشمس، ويكون أمامهم إلى المزدلفة، ولا يعرج إلى السماء تلك الليلة...».
= رواه أبو علي الأهوازي عن أبي أمامة مرفوعاً. قال ابن الجوزي: وهو موضوع كذب بلا شك، كما قال يحيى بن عبد الوهاب، وأكثر رجاله مجاهيل وضعفاء.
= وقد أخرجه ابن عساكر في تاريخه وهو باطل.
= وقال الذهبي في الميزان: صنف الأهوازي كتاباً في الصفات، لو لم يجمعه لكان خيراً، فإنه أتى فيه بموضوعات وفضائح.
= انظر: الفوائد المجموعة للشوكاني ص 447، درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام 1/ 106 — 107 مع تعليق المحقق.
(2) حديث: (رأيت ربي في المنام في أحسن صورة، شاباً موقراً، رجلاه في خضر، عليه نعلان من ذهب — على وجهه فراش من ذهب).
= رواه الخطيب عن أم الطفيل، امرأة أبي بن كعب، وهو موضوع، وفي اسناده وضاع وكذاب ومجهول.
= انظر: الفوائد المجموعة للشوكاني ص 447 — 448. وانظر فيما سيأتي ص 72 هامش (1).
(3) الروم: 50.
المدينة » إلى أنواع أُخَر .
وكل حديث فيه « أن محمداً ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض » فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم ، لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم .
وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمداً ﷺ هل رأى ربه ليلة المعراج ؟ فكان ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون : إن محمداً ﷺ رأى ربه ليلة المعراج ، وكانت عائشة رضي الله عنها وطائفة معها تنكر ذلك ، ولم تَرْوِ عائشة رضي الله عنها في ذلك عن النبي ﷺ شيئاً ، ولا سألته عن ذلك . ولا نقل في ذلك عن الصديق رضي الله عنه ، كما يرويه ناس من الجهال : « أن أباها سأل النبي ﷺ فقال : نعم . وقال لعائشة : لا » فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء .
ولهذا ذكر القاضي « أبو يعلى » وغيره : أنه اختلفت الراوية عن الإمام أحمد ــ رحمه الله ــ هل يقال : إن محمداً ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ؟ أو يقال بعين قلبه . أو يقال : رآه ، ولا يقال بعيني رأسه ولا بعين قلبه ؟ على ثلاث روايات .
وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال : « رأيت ربي في صورة كذا وكذا » يروى من طريق ابن عباس ومن طريق أم الطفيل وغيرهما وفيه « أنه وضع يده
(1) أحاديث موضوعة لا أصل لها أنظر فيما سبق هامش صفحة (70 — 71)
(2) وضع ابن الجوزي مقياساً لنقد متون الحديث في الصفات، يتلخص في دلالة الحديث على مشابهة الخالق بالمخلوق وحكم على كل حديث من هذا الباب بالوضع.
= وذلك أن الزنادقة أدخلوا في أحاديث الصفات أشياء لتشكيك المؤمنين في دينهم وعقيدتهم، وهذا المقياس الذي أكده ابن الجوزي يسهل على طالب العلم الحكم على الحديث عند سماعه من غير نظر في رواته، فالله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقد رد ابن الجوزي عدداً من الأحاديث عملاً بهذا المقياس.
= [مقاييس نقد متون السنة عند ابن الجوزي: د. الدميني ص 117 — 124، وانظر العلل المتناهية: 1/ 14 — 25.
(3) قال شيخ الإسلام — رحمه الله — كل حديث فيه رؤيته لربه ليلة المعراج عياناً حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث — درء تعارض العقل والنقل: 7/ 93.
بين كتفيَّ ، حتى وجدت برد أنامله على صدري » هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج ، فإن هذا الحديث كان بالمدينة . وفي الحديث : أن النبي ﷺ نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم ، وقال : رأيت كذا وكذا ، وهو من رواية من لم يُصلِّ خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها ، والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم وبنص القرآن والسنة المتواترة ، كما قال الله تعالى : ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾
فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة ، كما جاء مفسراً في كثير من طرقه « أنه كان رؤيا منام » مع أن رؤيا الأنبياء وحي ، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج .
وقد اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينيه في الأرض ، وأن الله لم ينزل له إلى الأرض ، وليس عن النبي ﷺ قط حديث فيه « أن الله نزل له إلى الأرض » بل الأحاديث الصحيحة : « أن الله يدنو عشية عرفة » ، وفي رواية « إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ، فيقول : من يدعوني فأستجيب
(1) عن أم الطفيل — امرأة أُبي — أنها سمعت رسول الله ﷺ يذكر أنه رأى ربه تعالى في المنام في أحسن صورة شاباً موفوراً رجلاه في مخصر [خضرة] عليه نعلان من ذهب في وجهه فراش من ذهب. ذكره ابن الجوزي باسناده إلى الترمذي قال: حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا أبن وهب قال: حدثنا عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أُبي... الحديث.
= قال ابن الجوزي في الموضوعات: 1/ 125 — 126: أما نعيم: فقد وثقه قوم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، وكان يحيى بن معين يهجنه في روايته حديث أم الطفيل، وكان يقول: ما كان ينبغي له أن يحدث بمثل هذا، وليس نعيم بشيء في الحديث.
= وأما مروان: فقال أبو عبد الرحمن النسائي: ومَنْ مروان حتى يُصَدّق عن الله عز وجل؟ وقال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث فحوَّل وجهه عنى وقال: هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول، عنى مروان، قال: ولا يعرف أيضاً عمارة.
= نقلاً عن: مقاييس ابن الجوزي في نقدمتون السنة للدكتور: مسفر غرم الله الدميني ص 121 — 122 وانظر: مجموع الفتاوى: 3/ 387 وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 215، الفوائد المجموعة للشوكاني ص 447.
(2) الاسراء: 1.
له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ » .
وثبت في الصحيح : أن الله يدنو عشية عرفة ، وفي رواية « إلى سماء الدنيا ، فيباهي الملائكة بأهل عرفة ، فيقول : انظروا إلى عبادي ! أتوني شعثاً غبراً ، ما أراد هؤلاء ؟ » وقد روي « أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان » إن صح الحديث فإن هذا مما تكلم فيه أهل العلم .
(1) البخاري: في التهجد — باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل 3/ 29 فتح الباري.
(2) أخرجه ابن ماجة عن عائشة: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عز وجل فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: (ما أراد هؤلاء) المناسك — باب: الدعوة بعرفة برقم (3014) 2/ 1003 ومسلم في الحج برقم (1347) 1/ 982.
= ورواه البزار والطبراني مطولاً من حديث الثقفي والأنصاري اللذين جاءا يسألان النبي ﷺ في مسجد منى... وفيه: وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله تبارك وتعالى يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة.. قال الهيثمي: ورجال البزار موثقون: مجمع الزوائد: 3/ 274 — 275.
(3) أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة. باب: ما جاء في ليلة النصف من شعبان برقم: (1888) 1/ 444 عن علي رضي الله عنه بلفظ: إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول (ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا... ألا حتى يطلع الفجر)
= قال في الزوائد: اسناده ضعيف لضعفُ ابن أبي سَبْره واسمه: أبو بكر ابن عبد الله بن محمد بن أبي سبرو قال فيه أحمد بن حنبل وابن معين: يضع الحديث، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 6/ 238 وابن ماجه برقم: (1389) والبغوي في شرح السنة: 4/ 126 كلهم عن عائشة بلفظ: إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب.
= وأخرجه الترمذي أيضاً وقال حديث عائشة لا نعرفه الا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمداً يقول: يضعف هذا الحديث، وقال يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة. قال محمد: والحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وقال المباركفوري: فالحديث منقطع في موضعين: أحدهما ما بين الحجاج ويحيى، والآخر ما بين يحيى وعروة انظر تحفة الأحوذي: 3/ 440 — 441.
= وأخرج البغوي في شرح السنة: 4/ 127 والبزار في (مجمع الزوائد: 8/ 65) وابن أبي عاصم في السنة: 1/ 222 عن أبي بكر قال: (ينزل الله جل ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لكل نفس الا انساناً في قلبه شحناء أو شركا في الله) وقال البخاري: عبد الملك بن عبد الملك بن أبي ذئب عن القاسم: فيه نظر، قال أبو حاتم: عبد الملك بن مصعب بن أبي ذئب يروي عن القاسم عن أبيه: منكر الحديث (عن شرح السنة: 2/ 127)
= وابن حبان في الموارد برقم (468) وأبو نعيم في الحلية: 5/ 191، والطبراني في الكبير والأوسط من حديث معاذ مرفوعاً (يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن) وقال الأرناؤوط في تحقيقه لشرح السنة: إن هذا الحديث يقوي الحديث السابق عن النزول. ولكننا نلاحظ أن الأحاديث الأخيرة ليس فيها نزول وهذا خارج عن أصل المسألة.
وكذلك ما روى بعضهم : « أن النبي ﷺ لما نزل من حراء تبدَّى له ربه على كرسي بين السماء والأرض » غلط باتفاق أهل العلم . بل الذي في الصحاح : « أن الذي تبدى له المَلَكُ الذي جاءه بحراء في أول مرة ، وقال له : « اقرأ ! فقلت : لست بقارئ ؛ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ؛ ثم أرسلني ، فقال : اقرأ فقلت : لست بقارئ ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ؛ ثم أرسلني ، فقال : ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ فهذا أول ما نزل على النبي ﷺ .
ثم جعل النبي ﷺ يحدث عن فترة الوحي . قال : « فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً ؛ فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض » رواه جابر رضي الله عنه في الصحيحين . فأخبر أن الملك الذي جاءه بحراء رآه بين السماء والأرض ، وذكر أنه رعب منه .
فوقع في بعض الروايات المَلَكَ فظن القارئ أنه المَلِك ، وأنه الله وهذا غلط وباطل .
وبالجملة إن كل حديث فيه « أن النبي ﷺ رأى ربه بعينيه في الأرض » وفيه « أنه نزل له إلى الأرض » وفيه « أن رياض الجنة من خطوات الحق » وفيه « أنه وطئ على صخرة بيت المقدس » كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين من أهل
(1) أخرجه البخاري: في التفسير — تفسير سورة إقرأ: 8/ 715.
= ومسلم: في الإيمان — باب: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ برقم: (252) 1/ 139 — 140.
(2) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي ﷺ يقول: ثم فتر عني الوحي فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي قد جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجُئثتُ منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني فأنزل الله تعالى «ياأيها المدثر قم فأنذر. إلى قوله: والرجز فاهجر» أخرجه البخاري في بدء الخلق باب: إذا قال أحدكم آمين 6/ 314 ومسلم في الإيمان برقم (161) 1/ 143.
= وعن عائشة رضي الله عنها قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم، ولكن رأى جبريل في صورته وخلقه ساداً ما بين الأفق.
الحديث وغيرهم.
وكذلك كل من ادَّعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة ؛ لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحداً من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت . وثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ أنه لما ذكر الدجال قال : « واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت ».
وكذلك رُوي هذا عن النبي ﷺ من وجوه أُخر : يحذِّر أمته فتنة الدجال ، ويبيِّن لهم « أن أحداً منهم لن يرى ربه حتى يموت » فلا يظن أحد أن هذا الدجال الذي رآه هو ربه .
ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهداتها وتجلياتها هو على مراتب كثيرة ؛ قال النبي ﷺ لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان قال : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ».
وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صورٍ متنوعة على قدر إيمانه ويقينه ؛ فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة ، وإذا كان في إيمانه نقص رأى
(1) انظر فيما سبق صفحة (71 — 72)
(2) أخرجه مسلم في الفتن: باب: ذكر ابن صياد برقم (2931) 4/ 2245 عن عمر رضي الله عنه وفيه (تعلموا — اعلموا وتحققوا — أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت).
(3) قطعة من حديث جبريل عن الإسلام والإيمان والاحسان. أخرجه البخاري في الإيمان — باب: سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان: 1/ 114 وفي التفسير: في تفسير سورة لقمان باب: إن الله عنده علم الساعة 8/ 513 ومسلم في الإيمان باب: بيان الايمان والإسلام والاحسان برقم (8 — 10) 1/ 36 — 40.
= وأبو داود في السنة: باب القدر: 7/ 63 — 66 والترمذي في الإيمان: باب ما جاء في وصف جبريل للنبي ﷺ الايمان والاحسان وقال: هذا حديث حسن صحيح 7/ 342 — 350 والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه باب: نعت الإسلام وباب في صفة الإيمان والإسلام 8/ 97 — 103.
= وابن ماجه في المقدمة: باب في الإيمان برقم (63 و64) 1/ 24 — 25. وابن منده في كتاب الإيمان في الأبواب السبعة الأولى منه: 1/ 116 — 136. والبغوي في شرح السنة: 1/ 7 — 9 وأخرجه أيضاً: أبو عوانة في مسنده وأبو نعيم في الحلية والطبراني. وفي الباب عن أنس أخرجه البزار والبخاري في خلق أفعال العباد. (انظر فتح الباري: 1/ 116).
مايشبه إيمانه . ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ، ولها « تعبير وتأويل » لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق .
وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضاً من الرؤيا نظير مايحصل للنائم في المنام : فيرى بقلبه مثل مايرى النائم . وقد يتجلى له من الحقائق مايشهده بقلبه ، فهذا كله يقع في الدنيا .
وربما غلب أحدَهم مايشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه ، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام ، وربما علم في المنام أنه منام .
فهكذا من العبَّاد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه ، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك ، وكل من قال من العبّاد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعين رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان .
نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة ، وهي أيضاً للناس في عرصات القيامة ؛ كما تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ حيث قال : « إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب ، وكما ترون القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب ».
(1) أخرجه البخاري في المواقيت باب: فضل صلاة العصر: 2/ 33 وفي التفسير والرقاق والتوحيد. وأخرجه مسلم في المساجد: باب فضل صلاتي الصبح والعصر برقم: (633) 1/ 439. وأبو داود في السنة باب: في الرؤية: 7/ 118 — 119. والترمذي في الجنة باب: ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى: 7/ 266.
= والإمام أحمد في المسند: 3/ 16، 17، 36، 37، كلهم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم ترون ربكم عز وجل كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» وأخرجه الآجري في الشريعة ص 258 واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/ 471 — 472 والبغوي في شرح السنة: 2/ 224، وأخرجه باللفظ المذكور أبو حنيفة في مسنده عن جرير بن عبد الله ص 579 من شرح ملا علي القاري.
= والبيهقي في: الاعتقاد على مذهب السلف ص 60.
وقال ﷺ : « جِنَانُ الفردوس أربع : جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما ومافيهما . وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما ومافيهما . وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » وقال ﷺ : « إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : ياأهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه ! فيقولون : ماهو ؟ ألم يبيِّض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؛ فيكشف الحجاب فينظرون إليه ، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ، وهي الزيادة ».
وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح ؛ وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول ، واتفق عليها أهل السنة والجماعة ، وإنما يكذب بها أو يحرفها « الجهمية » ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم : الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته
(1) البخاري في التفسير، سورة الرحمن: باب: من دونهما جنتان: 8/ 624. والترمذي في صفة الجنة باب ما جاء في صفة غرف الجنة: 7/ 232 — 233 وقال: هذا حديث صحيح. وابن ماجه في المقدمة: باب في ما أنكرت الجهمية برقم (186) 1/ 66 — 67. والدارمي في الرقائق، باب: في جنات الفردوس: 2/ 233 وهو أقرب الألفاظ للحديث الذي ساقه المصنف. وأحمد في المسند: 4/ 411 و416. والبغوي في شرح السنة: 15/ 217.
(2) مسلم: في الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم عز وجل برقم (297) 1/ 163. والترمذي: في الجنة باب رؤية الرب: 7/ 265 — 269 وفي التفسير: 7/ 522 — 523، وابن ماجة في المقدمة: باب: فيما أنكرت الجهمية: 1/ 67 برقم (187)، وأحمد: 4/ 332، 333 و6/ 15. وعبد الله بن أحمد في السنة: 1/ 445 وابن خزيمة في التوحيد ص 118 — 119. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/ 455 و481. والآجري في الشريعة: ص 261 — 262 والبغوي في شرح السنة: 15/ 230 — 231. والطبري في التفسير: 11/ 102 طبع الحلبي، والبيهقي في الاعتقاد على مذهب السلف ص 58.
(3) المعتزلة: أصحاب واصل بن عطاء الغزّال وعمرو بن عبيد، من تلامذة الحسن البصري، نشأت هذه الفرقة عندما قال واصل ان مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً باطلاق بل هو في منزلة بين المنزلتين، واعتزلوا مجلس الحسن فسموا معتزلة، وقيل إن الحسن قال: ردوا هؤلاء إلى حشأ الحلقة فسموا: الحشوية. ويرجع بعض الباحثين نشأتهم إلى تأثيرات يهودية لشبههم بفرقة: (الفروشيم) اليهودية، ويسمون أيضاً: القدرية والمعطلة. =
وغير ذلك ، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة .
ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسوله ﷺ في الآخرة ؛ وبين تصديق الغالية ؛ بأنه يُرَىٰ بالعيون في الدنيا ، وكلاهما باطل .
وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضُلَّال ، كما تقدم ، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص : إما بعض الصالحين ، أو بعض المردان ، أو بعض الملوك أو غيرهم ، عظم ضلالهم وكفرهم ، وكانوا حينئذ أضلَّ من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم .
بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ، ويقول للناس أنا ربكم ! ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ! ويقول للخربة : أخرجي كنوزك فتتبعه
= ويقوم مذهب الاعتزال على الأصول الخمسة عندهم وهي: التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حسب ما فسروه هم وفهموه منها. وهم فرق شتى يقولون بنفي الصفات عن الله تعالى من العلم والقدرة.. الخ وأن القرآن محدث مخلوق وأن الله تعالى ليس خالقاً لأفعال العباد.
= [انظر: اعتقادات فرق المسلمين للرازي ص 38 — 45، الفرق بين الفرق للبغدادي ص 114 — 200، مقالات الاسلاميين للأشعري: 1/ 235 وما بعدها، المذاهب الاسلامية لأبي زهرة ص 126 — 160، وللاستاذ عبد الرحمن بدوي دراسة عنهم في كتابه مذاهب الاسلاميين، وكتب عنهم زهدي حسن جار الله كتاباً طبع عام 1366هـ].
(1) أحاديث الرؤية الصحيحة لا تتنافى مع قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: (رب أرني أنظر إليك قال: لن تراني) لأنه أراد عز وجل بقوله: (لا تدركه الأبصار) أي في الدنيا. وقال لموسى عليه السلام: (لن تراني) يريد في الدنيا لأنه جل وعز احتجب عن جميع خلقه في الدنيا ويتجلى لهم يوم الحساب ويوم الجزاء والقصاص، فيراه المؤمنون كما يرون القمر في ليلة البدر ولا يختلفون فيه كما لا يختلفون في القمر، ولم يقع التشبيه بالرؤية على كل حالات القمر في التدوير والمسير والحدود وغير ذلك. وإنما وقع التشبيه بها على أننا ننظر إليه — عز وجل — كما ننظر إلى القمر ليلة البدر لا يختلف في ذلك كما لا يختلف في القمر.
= [انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 204 — 208، والاختلاف في اللفظ له أيضاً ص 30 — 32].
كنوزها ! وهذا هو الذي حذر منه النبي ﷺ أمته . وقال : « مامن خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال » وقال : « إذا جلس أحدكم في الصلاة فليستعذ بالله من أربع ؛ ليقل : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر . وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ».
فهذا ادّعى الربوبية وأتى بشبهات فتن بها الخلق ، حتى قال فيه النبي ﷺ : « إنه أعور ؛ وإن ربكم ليس بأعور ، واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت » فذكر لهم علامتين ظاهرتين يعرفهما جميع الناس ؛ لعلمه ﷺ بأن من الناس من يضل فيجوّز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر ، كهؤلاء الضُلَّال الذين
(1) عن عبد الله بن مغفَّل قال قال رسول الله ﷺ: ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال، وقد قلت فيه قولاً لم يقله أحد قبلي، إنه آدم (شديد السمرة أقرب إلى السواد) جعد ممسوخ عين اليسار، على عينه ظفرة غليظة، وإنه يبرئ الأكمة والأبرص ويقول أنا ربكم فمن قال: ربي الله فلا فتنة عليه. ومن قال: أنت ربي فقد افتتن يلبث فيكم ما شاء الله ثم ينزل عيسى بن مريم مصدقاً بمحمد ﷺ على ملته إماماً مهدياً وحكماً عدلاً فيقتل الدجال. فكان الحسن يقول ونرى أن ذلك عند الساعة.
= رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات وفي بعضهم ضعف لا يضر: مجمع: 7/ 335 — 336 وأحمد: 5/ 389 عن حذيفة قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال: «لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال ولن ينجو أحد من قبلها إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال» رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح: مجمع: 7/ 335.
(2) أبو داود: في الصلاة باب: ما يقول بعد التشهد: 1/ 456 مختصر المنذري عن أبي هريرة بلفظ: (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) ابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها. باب: ما يقال في التشهد والصلاة على النبي ﷺ: 1/ 294 برقم (909) بلفظ (إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير.. كما في أبي داود.
= النسائي: عن أبي هريرة بلفظ: إذا تشهد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع... ثم يدعو لنفسه بما شاء في كتاب السهو: 3/ 58.
(3) تقدم تخريجه انظر ص ( ).
يعتقدون ذلك . وهؤلاء قد يُسمَّون « الحلولية » و « الاتحادية ».
وهم صنفان :
( أ ) قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء . كما يقوله النصارى في المسيح عليه السلام ، والغالية في علي رضي الله عنه ونحوه ؛ وقوم في أنواع من المشايخ ، وقوم في بعض الملوك ، وقوم في بعض الصور الجميلة ؛ إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى .
( ب ) وصنف . يعمون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات ــ حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها ــ كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية : كأصحاب ابن عربي ، وابن سبعين ، وابن الفارض ،
(1) الحلولية: قال الجرجاني: الحلول: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر كحلول الماء في الكوز والحلول السرياني: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد. فيسمى الساري حالاً والمسري فيه محلاً [التعريفات ص 125].
= والحلولية: مذهب من التفكير يعد الله وجوداً شاملاً للكون كله حالاً فيه، وقد انطوى الدين المصري القديم والبراهمانية والرواقية والأفلاطونية الحديثة على الحلولية وبهؤلاء تأثر بعض الفلاسفة والصوفيين المنسوبين للإسلام كابن عربي والحلاج وابن الفارض وغيرهم.
= الاتحاد: هو تصيير الذاتين ذاتاً واحدة... وهو شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي الكل موجود بالحق فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجوداً به، معدوماً بنفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً اتحد به فإنه محال. [التعريفات للجرجاني ص 22].
(2) محمد بن علي بن محمد، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحي الدين بن عربي، ولد سنة ستين وخمسمئة في مرسية بالأندلس وانتقل إلى إشبيلته.
= قال ابن دقيق العيد: سمعت شيخنا أبا محمد بن عبد السلام يقول عنه: شيعي سوء كذاب... وقال الذهبي: صنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل وحدة الوجود فقال أشياء منكرة عدها طائفة من العلماء مروقاً وزندقة، توفي سنة ثمان وثلاثين وستمئة [ميزان الاعتدال: 3/ 659 — 660، الأعلام: 6/ 281 — 282].
(3) عبد الحق بن ابراهيم بن محمد بن نصر بن سبعين الاشبيلي الصوفي المشهور، ولد سنة ثلاث عشرة وستمئة. قال الذهبي: كان من زهاد الفلاسفة ومن القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف وأتباع، مات بمكة سنة تسع وستين وستمئة. [شذرات الذهب: 5/ 329، البداية والنهاية: 13/ 260، الأعلام: 3/ 280].
(4) عمر بن أبي الحسن: علي بن المرشد بن علي، الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة، ولد =
والتلمساني ، والبلياني ، وغيرهم » .
ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتاب أن الله سبحانه خالق العالمين ، ورب السموات والأرض ومابينهما ؛ ورب العرش العظيم ، والخلق جميعهم عباده وهم فقراء إليه .
وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ؛ ومع هذا فهو معهم أينما كانوا ؛ كما قال سبحانه وتعالى : ﴿ هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ، يعلم مايلج في الأرض ومايخرج منها وماينزل من السماء ومايعرج فيها ، وهو معكم أينما كنتم ! والله بما تعملون بصير ﴾
فهؤلاء « الضُّلَّال الكفار » الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه ، وربما زعم أنه جالسه وحادثة أو ضاجعه ! وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً ؛ أو صبياً ، أو غير ذلك ؛ ويزعم أنه كلّمهم ، يستتابون . فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم وكانوا كفاراً ؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا : إن الله هو المسيح بن مريم ، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، فإذا كان الذين قالوا : إنه هو الله وإنه اتحد به أو حلَّ فيه قد كفَّرهم وعظَّم
= سنة ست وسبعين وخمسمئة، وهو ناظم التائية في السلوك ينعق فيها بالاتحاد الصريح، توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمئة، [البداية والنهاية: 13/ 143، ميزان الاعتدال: 3/ 214 — 215، شذرات الذهب: 5/ 149 — 153، الأعلام: 5/ 55 — 56].
(1) شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني، أبو مدين، من مشاهير الصوفية، أصله من الأندلس، أقام بفاس وسكن بجاية، وكثر أتباعه وتوفى بتلمسان عام أربع وتسعين وخمسمئة وقد قارب الثمانين أو تجاوزها، ويسميه محي الدين بن عربي بشيخ الشيوخ.
= [شذرات الذهب: 4/ 303، الأعلام: 3/ 166].
(2) البلياني:
(3) الحديد: 4.
كُفْرَهم ؛ بل الذين قالوا إنه اتخذ ولداً حتى قال : ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدّاً ، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً ، أن دعوا للرحمن ولداً ، وماينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً ، إنْ كلُّ من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً ﴾ فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو ؟ هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً رضي الله عنه أو غيره من أهل البيت ، هو الله .
وهؤلاء هم « الزنادقة » الذين حرَّقهم علي ــ رضي الله عنه ــ بالنار ، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة ، وقذفهم فيها بعد أن أجَّلهم ثلاثاً ليتوبوا ، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار ، واتفقت الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ على قتلهم ؛ لكن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق ، وهو قول أكثر العلماء ، وقصتهم معروفة عند العلماء .
(1) مريم: 88 — 93.
(2) أصل الزندقة: القول بأزلية العالم وأطلق على الزردشتية والمانوية وغيرهم من الثنوية، وتوسع فيه فأطلق على كل شاك أو ضال أو ملحد (المعجم الوسيط: 1/ 403).
= قال الفيومي: الزنديق: مثل قنديل، قال بعضهم: فارسي معرب، وقال ابن الجواليقي: رجل (زَنْدَقيٌ) و(زنديق) إذا كان شديد البخل، وهو محكي عن ثعلب، وعن بعضهم سألت أعرابياً عن الزنديق فقال: هو النظار في الأمور.
= والمشهور على ألسنة الناس أن الزنديق: هو الذي لا يتمسك بشريعة ويقول بدوام الدهر. والعرب تعبر عن هذا بقولهم: ملحد، أي طاعن في الأديان. وقال في البارع: (زنديق) و(زنادقة) و(زناديق) وليس ذلك من كلام العرب في الأصل، وفي التهذيب: (وزندقة الزنديق) أنه لا يؤمن بالآخرة ولا بوحدانية الخالق. [المصباح المنير ص 256].
(3) وهؤلاء هم السبئية: أتباع عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي، كان من أهل صنعاء، وأمه أمةٌ سوداء ولذلك كان يقال له ابن السوداء، وكان من الذين يكيدون للإسلام والمسلمين، وغلا في حب علي — رضي الله عنه — وزعم أنه كان نبياً، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قوماً من غلاة الكوفة فاتبعوه على ضلالته، وتقدم بعضهم إلى علي — رضي الله عنه — وقالوا له: أنت الله، فاستتابهم ثلاثاً فلما لم يتوبوا لم يجد بداً من عقوبة من تحقق أنه على هذا المذهب الخبيث.
= ومن معتقداتهم: القول برجعة محمد ﷺ، وأن علياً وصي الله، وأنه في السحاب، وأن الرعد صوته، وبأنه نبي، وأن الإله حل فيه وفي الأئمة من بعده. [اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: ص 57، الفرق بين الفرق للبغدادي: ص 233 — 236، تاريخ المذاهب الإسلامية: لأبي زهرة: ص 38 — 40، الأديان والفرق: لشيبة الحمد: ص 146 — 149].
وكذلك الغلو في بعض المشايخ : إما في الشيخ « عدي » ويونس القنيّ أو الحلاج وغيرهم ؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ ونحوه ، بل الغلو في المسيح عليه السلام ونحوه .
فكل من غلا في حي ؛ أو في رجل صالح مثل علي ــ رضي الله عنه ــ أو « عدي » أو نحوه ؛ أو في من يعتقد فيه الصلاح ؛ كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر ، أو يونس القنيّ ونحوهم ، وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول : كل
(1) يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني المخارقي القنيي نسبة إلى (القُنّية) قرية من نواحي ماردين، ولد سنة ثلاثين وخمسمئة، وهو شيخ الطائفة اليونسية، أولي الشطح، وقلة العقل، وكثرة الجهل، توفي سنة تسع عشرة وستمئة. [وفيات الأعيان: 7/ 825 — 856، شذرات الذهب: 5/ 87، الأعلام: 8/ 263].
(2) الحسين بن منصور الحلاج، أبو مغيث، أصله من بيضاء فارس، نشأ بواسط العراق وانتقل إلى البصرة، ادعى حلول الإلهية فيه، فأمر المقتدر العباسي بالقبض عليه وقتله سنة تسع وثلاثمئة، وادعى أصحابه أنه لم يقتل وإنما ألقي شبهه على عدو له. قال ابن النديم في وصفه: كان محتالا يتعاطى مذاهب الصوفية ويدعي كل علم، جسوراً على السلاطين، مرتكبا للعظائم، يروم اقلاب الدول ويقول بالحلول. [الفهرست لابن النديم ص 190 — 192، البداية والنهاية: 11/ 132 — 144، الأعلام: 2/ 260].
(3) انظر الاعتصام للشاطبي: 1/ 258 — 259، تيسير العزيز الحميد: 305/ 318، ففيهما تفصيل واسع عن آثار الغلو السيئة.
(4) الحاكم: منصور بن نزار بن معد العبيدي، يلقب بالحاكم بأمر الله والحاكم بأمره، ولد في القاهرة سنة خمس وسبعين وثلاثمئة، وفيها وفاته سنة إحدى عشرة وأربعمئة، وهو من حكام الدولة العبيدية بالقاهرة، أعلنت الدعوة إلى تأليهه سنة سبع وأربعمئة في مساجد القاهرة وفي سيرته متناقضات عجيبة. يقال: إن رجلاً اغتاله في إحدى الليالي غيرة لله وللإسلام، ويقال: إن أخته ست الملك دست له رجلين اغتالاه وأخفيا أثره، وعندها أعلن حمزة بن علي أنه احتجب وسيعود لنشر الإيمان بعد الغيبة.
= قال الذهبي: وثم اليوم (قبيل سنة خمسين وسبعمئة للهجرة) طائفة من طغام الاسماعيلية يحلفون بغيبة =
= الحاكم، ما يعتقدون إلا أنه باق وأنه سيظهر.
رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ماأريده ، أو يقول إذا ذبح شاة : باسم سيدي ، أو يعبده بالسجود له أو لغيره ، أو يدعوه من دون الله تعالى ؛ مثل أن يقول : ياسيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني ، أو أغثني أو أجرني ، أو توكلت عليك ، أو أنت حسبي ؛ أو أنا في حسبك ؛ أو نحو هذه الأقوال والأفعال ؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى ، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قُتِلَ . فإنَّ الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لاشريك له ولا نجعل مع الله إلهاً آخر .
والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى ــ مثل : الشمس والقمر والكواكب ، والعزير والمسيح والملائكة ، واللَّات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، ويغوث ويعوق ونسرا ، أو غير ذلك ــ لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق ؛ أو أنها تنزل المطر ، أو أنها تنبت النبات ، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء ، أو يعبدون قبورهم ، ويقولون : إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى . ويقولون : هم شفعاؤنا عند الله .
= وبين كتب الدروز بضع رسائل يقولون: إنها من إنشاء الحاكم بقلمه.
= ووضع محمد عبد الله عنان كتاباً بعنوان (الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية) [الأعلام: 7/ 305 — 306].
(1) وهذه الأنواع كلها عبادة لا تصرف إلا لله تعالى وحده، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه الكريم وبينه النبي ﷺ:
= فالذبح: عبادة: قال الله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) الأنعام: 163 — 164.
= وكذلك الدعاء: فيما لا يقدر عليه إلا الله سواء كان طلباً للشفاعة أو غيرها من المطالب يجب صرفه لله تعالى: قال الله تعالى: (ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين) يونس: 107.... ألخ.
= انظر بالتفصيل: تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص 39 — 42.
(2) فوقعوا في شرك التقرب والزلفى وشرك طلب الشفاعة من غير الله، وهما متلازمان.
فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه ، لادعاء عبادة ؛ ولا دعاء استغاثة . وقال تعالى : ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ؟ ويرجون رحمته ويخافون عذابه ؛ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾
قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة ؛ فقال الله لهم : هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إليَّ كما تتقربون ، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي .
وقال تعالى : ﴿ قل : ادعوا الذين زعمتم من دون الله لايملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ، ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير ، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾ فأخبر سبحانه : أن مايدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك ولا شرك في الملك ، وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به ، وأنه لاتنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه .
وقال تعالى : ﴿ وكم من ملَك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً ؛ إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ﴾ وقال تعالى : ﴿ أم اتخذوا من دون الله شفعاء ، قل : أوَلو كانوا لايملكون شيئاً ولا يعقلون ، قل : لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ وقال تعالى : ﴿ ويعبدون من دون الله مالا
(1) الاسراء: 56 — 57.
(2) وهذا التفسير للآية مروي عن ابن عباس، وقال ابن مسعود كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن فأسلم النفر من الجن وتمسك الانسيون بعبادتهم فأنزل الله (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) تفسير ابن كثير: 3/ 47، الدر المنثور: 5/ 305.
(3) سبأ: 22 — 23.
(4) النجم: 26.
(5) الزمر: 44.
يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله . قل : أتنبِّؤن الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾
وعبادة الله وحده : هي أصل الدين ، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب ، فقال تعالى : ﴿ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ؛ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ﴾ ؟ وقال تعالى : ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ وقال تعالى : ﴿ وماأرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾
وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته ، حتى قال له رجل : ماشاء الله وشئت . فقال : « أجعلتني لله نداً ؟! بل ماشاء الله وحده » وقال : « لاتقولوا : ماشاء الله وشاء محمد ، ولكن ماشاء الله ثم شاء محمد » ، ونهى عن الحلف
(1) يونس: 18، وللاستزادة عن الشفاعة وأنواعها المشروعة وغير المشروعة، انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ص 223 — 237، تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد: ص 273 — 297.
(2) الزخرف: 45.
(3) النحل: 36.
(4) الأنبياء 25.
(5) انظر في شرح هذه المعاني: تيسير العزيز الحميد ص 598 — 605.
(6) أخرجه البخاري: في الأدب المفرد ص 234 وابن ماجة: في الكفارات برقم: (2117). والنسائي: في عمل اليوم والليلة: 5: 269 بلفظ: (أجعلتني لله عدلاً)، والطحاوي في مشكل الآثار: 1/ 90. والبيهقي: 3/ 217. والطبراني في الكبير برقم: (13005 و13006). وأبو نعيم في الحلية: 4/ 99. والخطيب: في تاريخ بغداد: 8/ 105. وابن السني: في عمل اليوم والليلة (672).
= انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني برقم: (139) المجلد الأول، والنهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد صفحة: 47. وفتح المجيد بتخريج الشيخ عبد القادر الأرناؤوط صفحة: 504.
(7) أخرجه أحمد في المسند: 5/ 593 عن حذيفة قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني رأيت في المنام أني لقيت بعض أهل الكتاب فقالوا: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فقال النبي ﷺ: (قد كنت أكرهها منكم، فقولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد). =
بغير الله فقال : « من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ».
وقال : « من حلف بغير الله فقد أشرك » ، وقال : « لاتطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله ».
ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق ، كالكعبة
= ابن ماجة: في الكفارات — باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت: 1/ 685 برقم (2811) عن حذيفة وعن الطفيل بن سَخْبَرَه أخي عائشة لأمها عن النبي ﷺ بنحوه.
= وأخرجه الدارمي في الاستئذان. باب: في النهي عن أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان: 2/ 295 والحديث أخرجه أيضاً: الطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في الكبير.
= انظر: فتح الباري لابن حجر: 11/ 540، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (137)، النهج السديد صفحة 230 برقم (484).
(1) قطعة من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يقول: وأبي، فقال رسول الله ﷺ: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فإذا حلف أحدكم فليحلف بالله أو ليصمت) قال عمر: فما حلفت بعدها ذاكراً ولا آثراً.
= أخرجه البخاري في كتاب الأدب — باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً: 10/ 516 وفي الأيمان والنذور باب لا تحلفوا بآبائكم 11/ 530.
= ومسلم: في الأيمان — باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى برقم (1646) 3/ 1267 والدارمي في النذور باب: النهي عن أن يحلف بغير الله 2/ 185 ومالك في الموطأ، كتاب النذور: 2/ 480. والإمام أحمد في المسند 2/ 7.
(2) أخرجه الترمذي: في النذور والأيمان: 5/ 135 — 136 بلفظ: فقد كفر أو أشرك. وقال: هذا حديث حسن. وابن حبان: في الأيمان والنذور. باب: فيما يحلف به وما نهي عن الحلف به برقم (1177) صفحة 286 موارد الظمآن. والامام أحمد: 1/ 47، 2/ 34 و67 و69 و87 بلفظ فقد أشرك وفي مواضع أخرى من المسند أيضاً.
= والحاكم: 1/ 18، 4/ 297 بلفظ فقد كفر. وقال صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. والبيهقي في السنن: 10/ 29.
= وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر: 4/ 168 وفتح الباري: 11/ 531 وتحفة الأحوذي: 5/ 136 والنهج السديد: صفحة: 223.
(3) أخرجه البخاري: في كتاب أحاديث الأنبياء — باب: قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها) 6/ 478 فتح الباري وفي المحاربين — باب: رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت: والدارمي: في الرقاق: باب: قول النبي ﷺ لا تطروني: 2/ 320.
= وأحمد في المسند: 1/ 23، 24، 47، 55.
= والبغوي في شرح السنة: 13/ 146.
ونحوها .
ونهى النبي ﷺ عن السجود له ، ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ذلك وقال : « لا يصلح السجود إلا لله » ، وقال : « لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » ، وقال لمعاذ بن جبل — رضي الله عنه — : « أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجداً له » ؟ قال : لا . قال : فلا تسجد لي » .
(1) قال ابن قدامة: «ولا يجوز الحلف بغير الله وصفاته، نحو: أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام. قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية، قال ابن عبد البر: وهذا أصل مجمع عليه» المغني لابن قدامة: 8/ 677 — 678 وفيه بيان لأدلة تحريم ذلك وبعضها مما ساقه المؤلف هنا، والرد على من أجاز الحلف بالمخلوق احتجاجاً بأن الله أقسم ببعض مخلوقاته، وما روي أن النبي ﷺ قال: «أفلح وأبيه إن صدق».
= وانظر أيضاً: مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر للشيخ محمد داماد الحنفي: 1/ 544، مغني المحتاج شرح المنهاج للشربيني: 4/ 320.
(2) انظر تحفة الأحوذي: 4/ 324.
(3) أخرجه أبو داود في النكاح — باب: في حق الزوج على المرأة 3/ 67.
= والترمذي في الرضاع — باب: في حق الزوج على المرأة: 4/ 323 وقال: حسن غريب من هذا الوجه وابن ماجه في النكاح — باب: حق الزوج على المرأة عن عائشة برقم (1852) 1/ 595 وقال في الزوائد في إسناده علي بن زيد وهو ضعيف لكن للحديث طريق أخرى وله شاهدان من حديث طلق بن علي رواه الترمذي والنسائي ومن حديث أم سلمة رواه الترمذي وابن ماجة.
= وأخرجه أيضاً عن معاذ برقم (1853) وفيه قصة كقصة عيسى بن سعد عن أبي داود الآتية واسناده صحيح وذكره الهيثمي في المجمع 4/ 309 عن معاذ وقال: رواه بتمامه البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح وكذلك طريق من طرق أحمد وروى الطبراني بعضه أيضاً واحد اسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح.
= والحديث أخرجه أيضاً الدارمي في الصلاة — باب النهي أن يسجد لأحد: 1/ 342.
= والبغوي في شرح السنة: 9/ 158.
= وابن حبان في النكاح — باب في حق الزوج على المرأة برقم: (1290) ص 314 من موارد الظمآن.
(4) أخرجه أبو داود في النكاح — باب: في حق الزوج على المرأة: 3/ 66 — 67 من مختصر المنذري عن قيس بن سعد. قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله ﷺ أحق أن يسجد له، قال فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فأنت يارسول الله أحق أن نسجد لك! قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ قال: قلت: لا قال: «فلا تفعلوا. لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق».
= قال المنذري: في اسناده شريك بن عبد الله القاضي، وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في المتابعات.
ونهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد ؛ فقال في مرض موته : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر ما فعلوا » قالت عائشة رضي الله عنها : ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً .
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس : « إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبوراً ، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » ، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المسجد على القبور ، ولا تشرع الصلاة عند القبور ؛ بل كثير من العلماء يقول : الصلاة عندها باطلة .
والسنة في زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن ، قال الله تعالى في كتابه عن المنافقين ﴿ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾
(1) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في الصلاة. باب (55) 1/ 532 من فتح الباري. وفي الجنائز — باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ومسلم: في المساجد ومواضع الصلاة — باب النهي عن بناء المساجد على القبور: 1/ 377.
= والدارمي: في الصلاة — باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد: 1/ 326. وأحمد: 1/ 218 و2/ 260 و5/ 184 والبغوي في شرح السنة: 2/ 415 و14/ 43.
(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله ﷺ: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي) بهذا اللفظ أخرجه أبو داود في المناسك — باب زيارة القبور 2/ 447 وقال المنذري: في اسناده عبد الله بن نافع الصائغ المديني مولى بني مخزوم، كنيته أبو محمد، قال البخاري: يعرف حفظه وينكر، وقال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفاً فيه، ولم يكن في الحديث بذاك. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ وهو لين تعرف حفظه وتنكر. ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به.
= وأخرجه أيضاً أحمد: 2/ 367 ونسبه الهيثمي لأبي يعلى، وقال: فيه حفص بن ابراهيم، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً، وبقية رجاله ثقات. المجمع: 4/ 3.
= وللحديث طرق وشواهد يرتقي بها إلى الصحة. انظر: النهجج السديد رقم (229) ص 120.
= وفي الصحيحين جزء من الحديث (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً).
(3) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 3/ 1133، القرطبي: 10/ 48 — 52، أضواء البيان للشنقيطي: 3/ 169 — 176.
(4) التوبة: 84.
فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يُصلى عليهم ويقام على قبورهم .
وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : « السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين . وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين . نسأل الله لنا ولكم العافية . اللهم لا تحرمنا أجرهم ؛ ولا تفتنا بعدهم ؛ واغفر لنا ولهم » .
وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها ، قال الله تعالى في كتابه : ﴿وقالوا : لا تذرن آلهتكم ؛ ولا تذرن وداً ولا سواعاً ؛ ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ . قال طائفة من السلف : كانت هذه أسماء قوم صالحين ؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها .
ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها ، لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام ، فلا
(1) دليل الخطاب: يقول علماء أصول الفقه: اللفظ المستعمل في معناه قد يدل على المعنى بمنطوقه وقد يدل عليه بمفهومه. ومنطوق اللفظ: هو المعنى الذي يدل عليه اللفظ في محل النطق — التلفظ — ومفهومه: هو المعنى الذي يدل عليه اللفظ لا في محل النطق والتلفظ بل في محل السكوت.
= والمفهوم ينقسم إلى: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة. ومفهوم المخالفة: هو حيث يكون المسكوت عنه مخالفاً للمذكور في الحكم إثباتاً ونفياً، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به ويسمى «دليل الخطاب» لأن دليله من جنس الخطاب أو لأن الخطاب دال عليه.
= [انظر: إرشاد الفحول: للشوكاني ص 178 — 179، أصول الفقه: محمد أبو النور زهير: 2/ 91 وما بعدها، أصول الفقه: أبو زهرة ص 147 وما بعدها].
(2) أخرجه مسلم في الجنائز — باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) 2/ 671 دون قوله (يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين وقوله: اللهم لا تحرمنا أجرهم...) بل هي من حديث عائشة عند ابن السني.
= وأخرجه أبو داود في الجنائز باب: ما يقول إذا أتى المقابر 4/ 351 وعزاه المنذري للنسائي وابن ماجه وأخرجه البغوي في شرح السنة مختصراً 5/ 468.
= وانظر: الأذكار للنووي ص 142 مع تعليق الشيخ الأرناؤوط.
(3) نوح: 23.
(4) انظر: تفسير ابن كثير: 4/ 427 — 428.
يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق .
وكذلك الطواف والصلاة والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه . فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدا ، كما قال صلى الله عليه وسلم « لا تتخذوا بيتى عيدا » .
كل هذا لتحقيق التوحيد ، الذي هو أصل الدين ورأسه ، الذي لا يقبل الله عملاً إلا به ، ويغفر لصاحبه ، ولا يغفر لمن تركه ، وكما قال تعالى : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيما﴾
ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه ، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ . وقال
(1) انظر مجموع الفتاوى: 1/ 165 وما بعدها، ومختصره في مجموع الفتاوى 27/ 114 — 288، الجواب الباهر في زوار المقابر في الفتاوى: 27/ 314 — 444 ففيهما تفصيل أحكام الزيارة الشرعية والبدعية، الرد على الأخنائي ص 131 وما بعدها.
(2) الحديث ذكره شيخ الإسلام في الفتاوى: 27/ 387 بلفظ «لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ما كنتم...» وهو حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند: 2/ 367 وأبو داود في المناسك — باب زيارة القبور برقم (2042) عن أبي هريرة، وليس فيه هذا اللفظ الذي ساقه ابن تيمية — رحمه الله — في هذا الموضع.
(3) النساء: 48.
(4) عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ياأبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ياأبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: «الله لا إله إلا هو الحي القيوم» قال: فضرب في صدري وقال: «والله ليَهْنِك العلم أبا المنذر».
= أخرجه مسلم في صلاة المسافرين — باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي برقم (810) 1/ 556، وأبو داود في الصلاة — باب ما جاء في آية الكرسي برقم: (1460)، والبغوي في شرح السنة: 4/ 459 وفي التفسير عند تفسير آية الكرسي.
(5) البقرة: 255.
ﷺ : « من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة » . والإله هو : الذي يألهه القلب عبادةً له ، واستعانة ، ورجاء له ، وخشية وإجلالا ، وإكراما .
(1) رواه أحمد: 5/ 233، وأبو داود: برقم (3116).
= والحاكم: 1/ 351 وصححه ووافقه الذهبي.
= والخطيب في الموضح: 2/ 176 وتاريخ بغداد: 9/ 335.
= والبيهقي: في الأسماء والصفات — ص 99، وله شاهد عند ابن حبان برقم (719) من موارد الظمآن والحديث حسنه النووي في المجموع: 5/ 99، وصححه التاج السبكي في الطبقات: 1/ 30، وحسنه الحافظ في تخريج الأذكار كما في الفتوحات الربانية: 4/ 109 — 110 وذكر له شواهد، عن: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد برقم (9) ص 14 — 15.
ومن ذلك الاقتصاد في السنة ؛ واتِّباعها كما جاءت ، بلا زيادة ولا نقصان .. مثل الكلام : في ( القرآن ) و ( سائر الصفات ) .
فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن كلام الله ؛ منزَّل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود . هكذا قال غير واحد من السلف . روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار — وكان من التابعين الأعيان — قال : مازلت أسمع الناس يقولون ذلك .
والقرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم ، وهو كلام الله لا كلام غيره ؛ وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم . فإن الكلام لمن قاله مبتدئاً لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً ، قال الله تعالى : ﴿وإنْ أحد من المشركين استجارك فأَجِرْهُ حتى يسمع كلام الله ؛ ثم أبلغه مأمنه﴾ ، وهذا القرآن في المصاحف ، كما قال تعالى : ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ وقال تعالى : ﴿يتلو صحفاً مطهرة ؛ فيها كتب قيمة﴾
(1) سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد: محدث الحرم المكي، ولد بالكوفة سنة سبع ومئة للهجرة، سكن مكة وتوفي بها سنة ثمان وتسعين ومئة، كان حافظاً ثقة، واسع العلم، كبير القدر، قال الشافعي: (لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز) له الجامع في الحديث وكتاب في التفسير [وفيات الأعيان: 1/ 210، ميزان الاعتدال: 1/ 397، تاريخ بغداد: 9/ 174، الأعلام: 3/ 105].
(2) عمرو بن دينار الجمحي بالولاء، أبو محمد الأثرم: فقيه، كان مفتي أهل مكة، فارسي الأصل، مولده بصنعاء سنة ست وأربعين ووفاته بمكة سنة ست ومئة. قال شعبة: (ما رأيت أثبت في الحديث منه، وقال النسائي: ثقة ثبت. [تهذيب التهذيب: 8/ 30، الأعلام: 5/ 77].
(3) التوبة: 6.
(4) البروج: 21 — 22.
(5) البينة: 2 — 3.
وقال : ﴿إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون﴾
والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه ، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله . وإعراب الحروف هو من تمام الحروف ؛ كما قال النبي ﷺ : « من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات » وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما : حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه .
وإذا كتب المسلمون مصحفاً فإن أحبوا أن لا ينقطوه ولا يشكلوه جاز ذلك ؛ كما كان الصحابة يكتبون المصاحف من غير تنقيط ولا تشكيل ؛ لأن القوم كانوا عرباً لا يلحنون . وهكذا هي المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار في زمن التابعين .
ثم فشا « اللحن » فنقطت المصاحف وشكلت بالنُّقَط الحمر ، ثم شكلت بمثل خط الحروف ؛ فتنازع العلماء في كراهة ذلك . وفيه خلاف عن الإمام أحمد رحمه الله وغيره من العلماء ، قيل : يكره ذلك لأنه بدعة : وقيل : لا يكره للحاجة
(1) الواقعة: 78.
(2) لم نجده بهذا اللفظ. وذكره المتقي في كنز العمال: 1/ 533 عن عمر: (من قرأ القرآن فأعرب كلمه كان له بكل حرف أربعون حسنة، ومن لم يعرب منه شيئاً كان له بكل حرف عشر حسنات) وعزاه لأبي عثمان الصابوني في المئتين والبيهقي في شعب الايمان. وعن ابن عمر: (من قرأ القرآن فأعرب في قراءته كان له بكل حرف منه عشرون، ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. انظر: كنز العمال: 1/ 533.
= وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه كانت له عند الله دعوة مستجابة إن شاء عجلّها له في الدنيا، وإن شاء ادخرها له في الآخرة). وقال: غريب من حديث مالك تفرد به عبد الرحمن. حلية الأولياء: 7/ 349 في كنز العمال: 1/ 534: من قرأ القرآن فأعربه كان له أجر شهيد. وعزاه لأبي نعيم عن حذيفة وعند ابن أبي شيبة في المصنف: 10/ 456 عن أبي هريرة: أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه وعزاه الهيثمي في المجمع: 7/ 163 لأبي يعلى وقال: فيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك.
= وروي عن ابن مسعود موقوفاً: (أعربوا القرآن فإنه عربي...) رواه الطبراني من طرق وفيها ليث بن أبي سليم وفيه ضعف وبقية رجال أحد الطرق رجال الصحيح، مجمع الزوائد 7/ 164.
إليه . وقيل يكره النقط دون الشكل لبيان الإعراب . والصحيح أنه لا بأس به .
والتصديق بما ثبت عن النبي ﷺ : أن الله يتكلم بصوت ؛ وينادي آدم عليه السلام بصوت ؛ إلى أمثال ذلك من الاحاديث . فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة .
وقال أئمة السنة : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق . حيث تُلِيَ وحيث كتب . فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن : إنها مخلوقة ، لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل ، ولا يقال : غير مخلوقة ، لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد .
(1) كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله مبالغة منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسم في مصحف عثمان رضي الله عنه، وخوفاً من أن يؤدي ذلك إلى التغيير فيه.
= ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء، وما روي عن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم.
= ولكن الزمان قد تغير فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله محافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفاً من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه بعد أن اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب بالعجم وكادت العجمة تمس سلامة اللغة، وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف حتى ليشق على الناس التمييز بين الحروف والكلمات وهي غير معجمة، فمعقول حينئذ أن يزول القول بكراهة الإعجام والشكل ويحل محله القول بوجوب أو باستحباب الاعجام والشكل لما هو مقرر من أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولذلك أمر عبد الملك بن مروان الحجاج أن يعنى بهذا الأمر، فندب له نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني فقاما بذلك العمل وكلاهما كفء وقدير على ما ندب له.
= انظر: [مناهل العرفان في علوم القرآن — الزرقاني: 1/ 406 — 409 ولشيخ الإسلام تفصيل في مجموع الفتاوي في هذا الموضوع: 12/ 100 — 102، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح: 2/ 295 — 296].
= قال النووي — رحمه الله — قال العلماء ويستحب نقط المصحف وشكله فإنه صيانة من اللحن فيه والتصحيف وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفاً من التغيير فيه وقد أمد ذلك اليوم فلا منع، ولا يمتنع من ذلك لكونه محدثاً فإنه من المحدثات الحسنة، فلم يمتنع كنظائره مثل: تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك والله أعلم. انظر: [التبيان في آداب حملة القرآن — النووي: ص 150]
= ولا حجة في ذلك لأهل البدع لتسويغ بدعهم لأن ما فعله المسلمون من نقط المصحف وشكله من باب المصالح المرسلة وحاصلها أنها ترجع إلى حفظ أمر ضروري من الدين ورفع حرج لازم فيه من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [انظر بالتفصيل: الاعتصام للشاطبي: 1/ 111 — 135].
(2) انظر: فتاوى شيخ الإسلام: 12/ 162 وما بعدها وفي مواضع أخرى انظرها في فهارس الفتاوى 1/ 78 — 80. وانظر فتح الباري: 13/ 453 — 460.
ولم يقل قط أحد من أئمة السلف : إن أصوات العباد بالقرآن قديمة ، بل أنكروا على من قال : لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق .
وأما من قال إن المداد قديم : فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة ، قال الله تعالى : ﴿قل : لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ، ولو جئنا بمثله مددا﴾ فأخبر أن المداد يكتب به كلماته .
وكذلك من قال ليس القرآن في المصحف ؛ وإنما في المصحف مداد وورق ، أو حكاية وعبارة . فهو مبتدع ضال . بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو مابين الدفتين . والكلام في المصحف — على الوجه الذي يعرفه الناس — له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء .
وكذلك من زاد على السنة فقال : إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة فهو مبتدع ضال . كمن قال : إن الله لا يتكلم بحرف ولا بصوت فإنه أيضاً مبتدع منكر للسنة .
(1) الكهف: 109.
(2) قال أيضاً في الفتاوى: 12/ 237 — 239: «والتفصيل المختصر أن نقول: من اعتقد أن المداد الذي في المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهو ضال مخطئ، مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين، وسائر علماء الإسلام. ولم يقل أحد قط من علماء المسلمين: إن ذلك قديم، لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم، ومن نقل قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم فهو مخطئ في هذا النقل، أو متعمد للكذب، بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه تبديع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما جهّموا من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق...
= وقد ميّز الله تعالى في كتابه بين الكلام والمداد، فقال تعالى «قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً».
= فهذا خطأ من هذا الجانب.
= وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ في الصدور، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه متلو بالألسن، كما أن الله مذكور بالألسن، وأنه مكتوب في المصحف، كما أن الله مكتوب وجعل ثبوت القرآن في الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات الله تعالى في هذه المواضع، فهذا — أيضاً مخطئ في ذلك، فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في المصحف، وبين ثبوت الكلام فيها بيِّن واضح؛ فإن الموجودات لها أربع مراتب: مرتبة في الأعيان، ومرتبة في الأذهان، ومرتبة في اللسان، ومرتبة في البنان، فالعلم يطابق العين، واللفظ يطابق العلم، والخط يطابق اللفظ».
وكذلك من زاد وقال : إن المداد قديم ، فهو ضال . كمن قال : ليس في المصاحف كلام الله .
وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون إن الورق ، والجلد ، والوتد ، وقطعة من الحائط : كلام الله ، فهو بمنزلة من يقول : ماتكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه . هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي ، وكلاهما خارج عن السنة والجماعة .
وكذلك أفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة نفياً وإثباتاً ، وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل ، فإن من قال : إن المداد الذي تنقط به الحروف ويشكل به قديم ، فهو ضال جاهل ، ومن قال : إن إعراب حروف
(1) لشيخ الإسلام رسالة مستقلة في هذا الموضوع اسمها «المسألة المصرية في القرآن» وهي في مجموع الفتاوى: 12/ 162 — 235. وفيها تفصيل واف مع مناقشة آراء المخالفين لأهل السنة في هذا.
(2) ممن يقول بأن النقطة والشكلة قديمة: عدي بن أبي البركات بن صخر، وهو ابن أخ للشيخ عدي بن مسافر، فقد ذكر ذلك صاحب تاريخ إربل في ترجمته ص 116.
= وقد أورد فتوى الشيخ محمد بن يونس، رحمه الله، عن النقط والشكل والأعشار، هل من يعتقد ذلك من القرآن كافر أم لا؟ فقال رحمه الله، الجواب:
= هذه ضلالة انتشرت، وعقيدة فاسدة ظهرت، فلعنة الله على مبتدعها، وغضبه على مخترعها فقد تعاظم ضرُّها، وتفاقم شرّها، وقد ضلَّ بها خَلْق من العوام وذوي الغباوة والطّغام. وقد أنكت في الإسلام والإيمان نكاية أعظم من فتك عبدة الأصنام والصّلبان، فإنه من قُتل في معركة الكفار مصيره إلى النعيم المقيم، ومَنْ مات على هذه المقالة مآله نار الجحيم، لاجرم إن واضع هذه العقيدة لا تقبل توبته، ولا تغفر حوبته، فإنه وإن رجع عن اعتقاده، فكيف بمن مات عن ضلالة؟ وتلك تبعته وبدعته فهو أعظم جريمة وأسوأ حالاً من الزاني والقاتل والكافر.. وقد أمرت الصحابة بتجريد القرآن عن النقط والشكل وأسماء السور والتعاشير ورؤوس الآيات حذَراً من هذه الفتنة، غير أنَّ الحجاج لما رأى إطباق الخلق على أن عدا المكتوب في المصحف بين الدفّتين، ليس من القرآن، بالنقط والشكل بأن يثبت في المصحف، لا عن اعتقاد منه أنها من القرآن فأي جهالة أعظم من اعتقاد أن ما ابتدعه الحجاج وأمر به يصير كلام الله تعالى، ويوصف بصنعة القديم؟ نعوذ بالله من عقل ودين يقود إلى هُوَىٰ هذه الجهالة ويسوق إلى هذه الضلالة.
= والجملة: فمعتقد هذه المقالة، إن كان يفهم معنى كلام الله ومعنى القديم، وأصرَّ بعد ذلك على هذه العقيدة، فهو مرتدٌ مباح الدم والمال، مفسوخ النكاح في الجملة، لا يُصَلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين..».
= انظر: تاريخ إربل لابن المستوفي ص 119 — 121.
القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع .
بل الواجب أن يقال : هذا القرآن العربي هو كلام الله . وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها كما دخلت معانيه .
ويقال : مابين اللوحين جميعه كلام الله . فإن كان المصحف منقوطاً مشكولاً أطلق على مابين اللوحين جميعه أنه كلام الله . وإن كان غير منقوط ولا مشكول : كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة ؛ كان أيضاً مابين اللوحين هو كلام الله . فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له ، ولا يجوز أن يحدث في الدين ماليس منه .
وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر « الصحابة » و « القرابة » — رضي الله عنهم — فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان . وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه ؛ وذكرهم في آيات من كتابه ؛ مثل قوله تعالى : ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رُكَّعاً سجداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا ؛ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ؛ ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ؛ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة و أجراً عظيماً﴾ وقال تعالى : ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم مافي قلوبهم ، فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾
وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال : « لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً مابلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه » .
(1) الفتح: 29.
(2) الفتح: 18.
(3) أخرجه البخاري: في فضائل الصحابة — باب: قول النبي ﷺ «لو كنت متخذاً خليلاً»: 7/ 21 فتح الباري، ومسلم: في فضائل الصحابة — باب: تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم برقم: (2540) و(2541) بلفظ: «لا تسبوا.. فوالذي نفسي... ما أدرك أحد مد أحدهم ولا نصيفه».
= والترمذي: في المناقب باب: فيمن سب أصحاب النبي ﷺ: 10/ 263 وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة: في المقدمة — باب في فضل أصحاب رسول الله ﷺ برقم: (161) 1/ 57، قال في الزوائد: اسناده صحيح وأبو داود في السنة، باب النهي عن سب أصحاب رسول الله ﷺ: 7/ 34.
= وأحمد: 3/ 11، 54، 63 وفي فضائل الصحابة: 1/ 51 رقم 5 و6 و7 وهي أقرب إلى النص =
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ماتواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب — رضي الله عنه — أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما ، واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهما ، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال : « خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا » وقال ﷺ : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة » . وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين .
وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعُبَّاد والأمراء والأجناد على أن يقولوا : أبو
= ما عدا (بلغ) فإنها عنده أدرك.
= وفي الموطأ برقم (2183).
= والبغوي في شرح السنة: 14/ 69 وفي التفسير: 1/ 341 طبع دار المعرفة وانظر فتح الباري: 7/ 35.
(1) عن علي باسناد صحيح أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة: 1/ 79 وما بعدها برقم (43، 45 — 60، 260، 397..) وانظر فتح الباري: 7/ 16 — 18.
(2) أخرجه أبو داود في السنة — باب في الخلفاء 7/ 28 عن سفينة بلفظ (ثم يؤتي الله الملك من يشاء) أو ملكه من يشاء.
= والترمذي: في الفتن — باب: ما جاء في الخلافة 6/ 476 — 477 وقال: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديثه.
= والإمام أحمد في المسند عن حذيفة 4/ 237 وعن سفينة 5/ 220.
= وابن حبان: برقم (1534) من موارد الظمآن في كتاب: الامارة — باب الخلافة، والبغوي في شرح السنة: 14/ 75.
(3) أخرجه أبو داود في السنة: باب في لزوم السنة بهذا اللفظ 7/ 11 — 12.
= وابن ماجة في المقدمة — باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين برقم (42) 1/ 15 والترمذي في العلم باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة: 7/ 438 — 442 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
= والامام أحمد في المسند 4/ 126 — 127 والدارمي في باب اتباع السنة: 1/ 43.
= والبغوي في شرح السنة: 4/ 119 والحاكم في المستدرك: 1/ 95.
بكر ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رضي الله عنهم . ودلائل ذلك و فضائل الصحابة كثير ، ليس هذا موضعه .
وكذلك نؤمن « بالإمساك عما شجر بينهم » ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب . وهم كانوا مجتهدين ، إما مصيبين لهم أجران ، أو مثابين على عملهم الصالح مغفوراً لهم خطؤهم ، وما كان لهم من السيئات ــ وقد سبق لهم من الله الحسنى ــ فإن الله يغفرها لهم : إما بتوبة أو بحسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة ، أو غير ذلك . فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال ﷺ : « خير القرون قرني الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم » وهذه خير أمة أخرجت للناس .
ونعلم من هذا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ــ رضي الله عنه ــ عن النبي ﷺ أنه قال : « تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق » وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل
(1) انظر بالتفصيل: موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتفاضل بين الخلفاء الأربعة بالترتيب شرح العقيدة الطحاوية ص 545 — 580.
(2) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب: فضل أصحاب النبي ﷺ: 7/ 3 بلفظ (خير أمتي قرني) وفي الشهادات — باب: لا يشهد على جور إذا اشهده: 5/ 258 بلفظ: (خيركم قرني) وفي الرقاق وفي الايمان والنذور.
= وأخرجه مسلم في فضل الصحابة — باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم.. برقم (2533 — 2536) 4/ 1962 — 1965 والنسائي في الأيمان والنذور: 7/ 17 — 18.
= وأبو داود في السنة: باب في فضل أصحاب رسول الله ﷺ: 7/ 32 — 33.
= والترمذي في الفتن: باب ما جاء في القرن الثالث: 6/ 470 وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في الأحكام — باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد برقم (2362) 2/ 791 والامام أحمد في المسند 1/ 378.
= والبغوي في شرح السنة: 14/ 66 — 67 وفي التفسير: 1/ 341.
= وابن أبي عاصم في السنة: 2/ 627 و628.
(3) انظر فيما سبق صفحة (66) تعليق رقم (2)
طائفة حق ، وأن علياً رضي الله عنه أقرب إلى الحق . وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة ، كسعد بن أبي وقاص ، وابن عمر ، وغيرهما رضي الله عنهم ، فاتبعوا النصوص التي سمعوها في الإمساك عن القتال في الفتنة ، وعلى ذلك أكثر أهل الحديث .
وكذلك « آل بيت رسول الله ﷺ » لهم من الحقوق ما يجب رعايتها ، فإن الله جعل لهم حقاً في الخمس والفيء ، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ ، فقال لنا : « قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل ابراهيم ، إنك حميد مجيد . وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم ، إنك حميد مجيد » وآل محمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة ، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل ، وغيرهما من العلماء رحمهم الله ، فإن النبي ﷺ قال : « إن الصدقة لاتحل لمحمد ولا لآل محمد » وقد
(1) البخاري: في الأنبياء — باب رقم (10) حدثنا موسى بن اسماعيل: 6/ 408 فتح الباري.
= مسلم: في الصلاة — باب الصلاة التي هي بعد التشهد: 1/ 305 برقم (65، 66).
= أبو داود: في الصلاة — باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد: 1/ 454 مختصر المنذري.
= الترمذي: في الوتر — باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي ﷺ: 2/ 603 تحفة الأحوذي وقال: حديث حسن صحيح.
= النسائي: في السهو — باب كيف الصلاة على النبي ﷺ: 3/ 47.
= ابن ماجة: في الاقامة — باب الصلاة على النبي ﷺ برقم (904) 1/ 293.
= الدارمي: في الصلاة — باب الصلاة على النبي ﷺ: 1/ 309.
= الطبراني: في السفر — باب ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ.
= أحمد: 4/ 241.
= وأخرجه أيضاً: الطحاوي في مشكل الآثار، وابن أبي شيبة، والبيهقي، والطبراني في الصغير وغيرهم. انظر إرواء الغليل للألباني: 2/ 24، 26.
(2) مسلم في الزكاة — باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة برقم: (1072) 2/ 754.
= «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد».
= النسائي: في الزكاة — باب استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة: 5/ 106.
= أحمد: 1/ 200، 201، 290، 329 — 2/ 279، 444 — 3/ 448.
قال الله تعالى في كتابه : ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ وحرم الله عليهم الصدقة لأنها أوساخ الناس ، وقد قال بعض السلف : حب أبي بكر وعمر إيمان ، وبغضهما نفاق . وفي المسانيد والسنن أن النبي ﷺ قال للعباس ــ لما شكا إليه جفوة قوم لهم قال : « والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي »
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال : « إن الله اصطفى بني اسماعيل ، واصطفى بني كنانة من بني اسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم »
وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده ، صار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي رضي الله عنه ، مثل كثير من أهل الشام ،
(1) الأحزاب: 33.
(2) قطعة من حديث: «... والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله...» أخرجه الترمذي: في المناقب — باب: مناقب العباس: 10/ 364 تحفة الأحوذي وقال: هذا حديث حسن صحيح عن المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال يارسول الله: إنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله ﷺ ودر عرق بين عينيه، ثم قال: لا والله لا يدخل قلب أمرئ إيمان حتى يحبكم لله عز وجل ولقرابتي» والحاكم في المستدرك 3/ 333.
= أحمد: 1/ 94 — 4/ 65 وفي فضائل الصحابة: 2/ 918.
= وعند الطبراني: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدهم حتى يحبكم أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب» رواه الطبراني في الأوسط وفيه أصرم بن حوشب وهو متروك.
= وفي رواية: لا يؤمن أحدهم حتى يحبكم بحبي. رواها في الصغير باختصار كثير: مجمع الزوائد: 9/ 170.
(3) مسلم: في الفضائل: باب فضل نسب النبي ﷺ برقم (2276) 4/ 1782.
= الترمذي: في المناقب: باب ما جاء في فضل النبي ﷺ: 10/ 74 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
= أحمد: 4/ 107.
= البغوي في شرح السنة: 13/ 194.
ممن كان إذ ذاك يسبُّ علياً رضي الله عنه ويبغضه .
وقوم ممن يحب علياً رضي الله عنه ويغلو فيه ينحرف عن عثمان رضي الله عنه ، مثل كثير من أهل العراق ، ممن كان يبغض عثمان ويسبُّه رضي الله عنه .
ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك ، حتى سبُّوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، وزاد البلاء بهم حينئذ .
والسنة محبة عثمان وعلي جميعا ، وتقديم أبي بكر وعمر عليهما رضي الله عنهم ، لما خصهما الله به من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعلياً جميعاً . وقد نهى الله في كتابه عن التفرق والتشتت ، وأمر بالإعتصام بحبله .
فهذا موضع يجب [ على ] المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله ، فإن السنة مبناها على العلم والعدل ، والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فالرافضة لما كانت تسبُّ « الصحابة » صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسبُّ الصحابة ، ثم كفَّرت الصحابة وقالت عنهم أشياء قد ذكرنا حكمهم فيها في غير هذا الموضع .
ولم يكن أحد إذ ذاك يتكلم في « يزيد بن معاوية » ولا كان الكلام فيه من الدين ، ثم حدثت بعد ذلك أشياء ، فصار قوم يظهرون لعنة يزيد بن معاوية . وربما كان غرضهم بذلك التطرق إلى لعنة غيره ، فكره أكثر أهل السنة لعنة أحد بعينه ، فسمع بذلك قوم ممن كان يتسنن ، فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى .
وصار الغلاة فيه على طرفي نقيض ، هؤلاء يقولون : إنه كافر زنديق ، وإنه قتل ابن بنت رسول الله ﷺ ، وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة ليأخذ بثأر أهل بيته
(1) انظر فيما سبق: صفحة (66 — 67)
(2) الحرّة: ارض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار وفي المدينة حرتان اثنتان: حرة الوبرة في الجهة =
الذين قتلوا كفاراً ، مثل جده لأمه عتبة بن ربيعة ، وخاله الوليد ، وغيرهما ، ويذكرون عنه من الاشتهار بشرب الخمر وإظهار الفواحش أشياء .
وأقوام يعتقدون أنه كان إماماً عادلاً هادياً مهدياً ، وأنه كان من الصحابة أو أكابر الصحابة ، وأنه كان من أولياء الله تعالى . وربما اعتقد بعضهم أنه كان من الأنبياء ! ويقولون : من وقف في يزيد وقفه الله على نار جهنم .
ويروون عن الشيخ « حسن بن عدى » أنه كان كذا وكذا ولياً ، ومن وقفوا فيه وقفوا على النار : لقولهم في يزيد . وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة نظماً ونثراً . وغلوا في الشيخ « عدى » وفي « يزيد » بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ « عدى » الكبير ــ قدس الله روحه ــ فإن طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع ، وابتُلُوا بروافض عادَوْهم ، وقتلوا الشيخ حسنا ، وجرت فتن لايحبها الله ولا رسوله .
وهذا الغلو في يزيد من الطرفين خلاف لما أجمع عليه أهل العلم والإيمان .
فإن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان ــ رضي الله عنه ــ ولم يدرك النبي ﷺ ، ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء ، ولا كان من المشهورين
= الغربية وحرة واقم وهي الشرقية سميت باسم رجل من العماليق اسمه واقم، وفيها كانت وقعة الحرة المشهورة في أيام يزيد كما ذكر المصنف (معجم البلدان: 2/ 245 و249).
(1) عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو الوليد، من سادات قريش في الجاهلية، قتله عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب كافراً في يوم بدر، وكان من المطعمين للحرب، وفيه وفي أمثاله نزل قوله تعالى: «ان الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله..» الآية [سورة الأنفال: 36] (المعارف لابن قتيبة: ص 72، 154، 157) و(المحبر لابن حبيب ص 163) والأعلام 4/ 200.
(2) الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، مات وهو مشرك يوم بدر، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه (المعارف، لابن قتيبة: ص 156، المحبر لابن حبيب ص 175).
(3) لمزيد من التفصيل حول ماقاله العلماء في يزيد بن معاوية وافتراق الناس فيه، انظر فتاوى شيخ الاسلام في مواضع متفرقة: انظرها في الفهارس: جـ 1 ص 58 — المنتقىٰ من منهاج الاعتدال للذهبي: ص 292 — 295 البداية والنهاية: 8/ 146 — 237، وانظر حركة النفس الزكية: دراسة وتقويم محمد العبده ص 27 — 32.
بالدين والصلاح ، وكان من شبان المسلمين ، ولا كان كافراً ولا زنديقاً ، وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضىً من بعضهم ، وكان فيه شجاعة وكرم ، ولم يكن مظهراً للفواحش كما يحكي عنه خصومه .
أحدها مقتل الحسين رضي الله عنه ، وهو لم يأمر بقتل الحسين ، ولا أظهر الفرح بقتله ، ولا نُكَّتَ بالقضيب على ثناياه ــ رضي الله عنه ــ ولا حُمِل رأس الحسين ــ رضي الله عنه ــ إلى الشام ، لكن أمَرَ بمنع الحسين رضي الله عنه ، وبدفعه عن الأمر . ولو كان بقتاله ، فزاد النواب على أمره ، وحضّ الشمر بن ذي الجوشن على قتله لعبيد الله بن زياد ، فاعتدى عليه عبيد الله بن زياد ، فطلب منهم الحسين رضي الله عنه أن يجيء إلى يزيد ، أو يذهب إلى الثغر مرابطاً ، أو يعود إلى مكة . فمنعوه رضي الله عنه ، إلا أن يستأسر لهم ، وأمر عمر بن سعد بقتاله ــ فقتلوه مظلوماً ــ له ولطائفة من أهل بيته . رضي الله عنهم .
(1) شمر بن ذي الجوشن: واسمه (شرحبيل) بن قرط الضبابي الكلابي، من أشقياء قتلة الحسين، وكان ممن شهد صفين مع علي رضي الله عنه، ثم أقام في الكوفة يروي الحديث إلى أن كانت الفاجعة بمقتل الحسين فكان من قتلته، ثم لما قام المختار الثقفي بتتبع قتلة الحسين خرج إلى الكوفة ففاجأه جمع من رجال المختار فقتلوه سنة ست وستين.
= [ميزان الاعتدال: 2/ 280، البداية والنهاية: 8/ 175 و270، اللباب: 2/ 258 — 259، الأعلام: 3/ 176].
(2) عبيد الله بن زياد بن أبيه: وال فاتح من الشجعان، جبار خطيب، ولد بالبصرة سنة ثمان وعشرين، له فتوحات، بايعه أهل البصرة ولم يلبثوا أن وثبوا عليه فتنقل مختبئاً فلحق به ابراهيم بن الأشتر يطلب ثأر الحسين فقتله في خازر من أرض الموصل سنة سبع وستين. [الأعلام: 4/ 193].
(3) عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، سيره عبيد الله بن زياد على أربعة آلاف لقتال الديلم، ولما علم ابن زياد بمسير الحسين بن علي رضي الله عنه إلى الكوفة كتب إلى عمر بن سعد أن يعود بمن معه فعاد فولاه قتال الحسين فاستعفاه، وهدده فأطاع، قال الذهبي: هو في نفسه غير متهم لكنه باشر قتال الحسين وفعل الأفاعيل. قتل عندما تتبع المختار قتلة الحسين سنة ست وستين وقيل خمس وستين.
= [ميزان الاعتدال: 3/ 198 — 199، البداية والنهاية: 8/ 170 وما بعدها، الأعلام: 5/ 47].
وكان قتله ــ رضي الله عنه ــ من المصائب العظيمة ، فإن قتل الحسين ، وقتل عثمان قبله : كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة ، وقتلتهما من شرار الخلق عند الله .
ولما قدم أهلهم رضي الله عنهم على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيرهم إلى المدينة ، وروي عنه أنه لعن ابن زياد على قتله . وقال : كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين ، لكنه مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله . والانتصار له ، والأخذ بثأره : كان هو الواجب عليه ، فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب مضافاً إلى أمور أخرى . وأما خصومه فيزيدون عليه من الفرية أشياء .
وأما ( الأمر الثاني ) : فإن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته وأخرجوا نوابه وأهله ، فبعث إليهم جيشاً ، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثاً ، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثاً يقتلون وينهبون ، ويفتضُّون الفروج المحرمة . ثم أرسل جيشاً إلى مكة المشرفة ، فحاصروا مكة ، وتوفي يزيد وهم محاصرون مكة ، وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره .
ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمة الأمة أنه لايسب ولا يحب . قال صالح بن أحمد بن حنبل : قلت لأبي : إن قوماً يقولون : إنهم يحبون يزيد . قال : يابني ! وهل يحبُّ يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ؟ فقلت : ياأبت ! فلماذا لا تلعنه ؟ قال : يابني ! ومتى رأيت أباك يلعن أحداً ؟
وروى عنه قيل له : أتكتب الحديث عن يزيد بن معاوية ؟ فقال : لا . ولا كرامة . أو ليس هو الذي فعل بأهل المدينة مافعل ؟
فيزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك . لايحبونه محبة الصالحين وأولياء الله ، ولا يسُبُّونه . فإنهم لايحبون لعنة المسلم المعيَّن . لما روى البخاري في
(1) صالح بن أحمد بن حنبل: صالح بن الامام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو الفضل: قاض ولد ببغداد سنة مئتين وثلاثة، ونشأ بين يدي أبيه، وأخذ عنه ثم ولي القضاء بأصبهان، وتوفي فيها سنة خمس وستين ومئتين. [شذرات الذهب: 2/ 149، الأعلام: 3/ 188].
صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن رجلا كان يُدعى حماراً ، وكان يكثر شرب الخمر ، وكان كلَّما أُتي به إلى النبي ﷺ ضربه . فقال رجل : لعنه الله ما أكثر مايؤتى به إلى النبي ﷺ : فقال النبي ﷺ : « لاتلعنه فإنه يحب الله ورسوله »
ومع هذا فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه ، لأنهم يعتقدون أنه فعل من الظلم مايجوز لعن فاعله .
وطائفة أخرى ترى محبته ، لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة ، وبايعه الصحابة . ويقولون : لم يصح عنه مانقل عنه وكانت له محاسن أو كان مجتهدا فيما فعله .
والصواب هو ماعليه الأئمة : من أنه لايخص بمحبة ولا يلعن . ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالما فالله يغفر للفاسق والظالم ، لاسيما إذا أتى بحسنات عظيمة . وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال : « أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له » وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن
(1) في البخاري: أن رجلا كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يُضحك رسول الله ﷺ وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ: «لا تلعنه، فوالله ما علمتُ إنه يحب الله ورسوله» فتح الباري: 12/ 75.
= وجاء اسمه مفسراً عند أبي داود بأنه: نُعَيْمان، ويقال نعمان بن عمرو الأنصاري.
= [وانظر: فتح الباري: 12/ 75، الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة للخطيب البغدادي ص 306 — 307].
(2) البخاري: في الحدود — باب: ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة: 12/ 75 بلفظ: «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا إنه يحب الله ورسوله» عن عمر، وقد سقط لفظ إلا من نسخة فتح الباري وهي في البخاري بحاشية السندي: 4/ 172.
= أبو داود: في الأدب — باب: 124.
= البغوي في شرح السنة: 10/ 337.
(3) البخاري: في الجهاد — باب: ما قيل في قتال الروم: 6/ 102 واللفظ: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا» قالت أم حرام: قلت يارسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. ثم قال النبي ﷺ: أول جيش =
معاوية ، وكان معه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه .
وقد يشتبه يزيد بن معاوية بعمه يزيد بن أبي سفيان ، فإن يزيد بن أبي سفيان كان من خيار الصحابة وهو خير آل حرب . وكان أحد أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر رضي الله عنه في فتوح الشام ، ومشى أبو بكر في ركابه يوصيه مشيعاً له ، فقال له : ياخليفة رسول الله : إما أن تركب وإما أن أنزل . فقال : لستُ براكب ولستُ بنازل ، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله . فلما توفي بعد فتوح الشام في خلافة عمر ، ولى عمر رضي الله عنه مكانه أخاه معاوية ، وولد له يزيد في خلافة عثمان بن عفان ، وأقام معاوية بالشام إلى أن وقع ماوقع .
فالواجب الاقتصاد في ذلك والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به ، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة ، فإنه بسبب ذلك اعتقد قوم من الجهال أن يزيد بن معاوية من الصحابة ، وأنه من أكابر الصالحين وأئمة العدل ، وهو خطأ بَيِّنٌ .
= من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يارسول الله؟ قال: لا».
= أحمد: 4/ 335 (ولنعلم الجيش ذلك الجيش) وأبو نعيم في الحلية: 2/ 62، 5/ 156.
(1) انظر البداية والنهاية: 7/ 3.
وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله : مثل أن يقال للرجل : أنت شكيلي . أو قرفندي . فإن هذه أسماء باطلة ماأنزل الله بها من سلطان ، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأئمة لاشكيلي ولا قرفندي . والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول : لا أنا شكيلي ولا قرفندي ، بل أنا مسلم متَّبع لكتاب الله وسنة رسوله .
وقد روينا عن معاوية بن أبي سفيان : أنه سأل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال : أنت على ملة علي ، أو ملة عثمان ؟ فقال : لست على ملة علي ، ولا على ملة عثمان ، بل أنا على ملة رسول الله ﷺ ، وكذلك كان كل من السلف يقولون : كل هذه الأهواء في النار : ويقول أحدهم : ماأبالي أي النعمتين أعظم ؟ على أن هداني الله للإسلام ، أو أن جنبني هذه الأهواء ، والله تعالى قد سمانا في القرآن : المسلمين المؤمنين عباد الله ، فلا نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم ــ وسموها هم وآباؤهم ــ ماأنزل الله بها من سلطان .
بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي ، والشافعي ، والحنبلي أو شيخ ، كالقادري ، والعدوي ونحوهم ، أو مثل الانتساب إلى القبائل : كالقيسي واليماني ، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري .
فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها ، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان .
وأولياء الله الذين هم أولياؤه : هم الذين آمنوا وكانوا يتقون ، فقد أخبر سبحانه أن أولياءه هم المؤمنون المتقون وقد بين المتقين في قوله تعالى : ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴾
والتقوى : هي فعل ما أمر الله به وترك مانهى الله عنه .
(1) سورة البقرة: 177.
(2) التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه، من سخطه وغضبه وعقابه، وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل كقوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي إليه تحشرون﴾ المائدة: 96.
= فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه وتعالى فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي قال تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران: 28.
= وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكان العقاب كالنار، أو إلى زمانه كيوم القيامة كما قال تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ آل عمران: 131. وقال تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ البقرة: 281 ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات كما جاء في كلام شيخ الإسلام، وربما دخل فيها بعد ذلك: فعل المندوبات وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى.
= وقد جاء عن السلف رحمهم الله كلمات من عيون ما أثر عنهم عن التقوى. فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: (يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قيل: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة).
= وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال له ما التقوى؟ قال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أوجاوزته أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى.
= وعن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير. فقال: التقوى: العمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء رحمة الله، والتقوى: ترك معاصي الله على نور من الله، مخافة عذاب الله. [جامع العلوم والحكم: ص 147 — 152 — الدر المنثور: 1/ 61 — 63].
وقد أخبر النبي ﷺ عن حال أولياء الله وماصاروا به أولياء ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال : « يقول الله تبارك وتعالى : من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ، وماتقرب إلي عبدي بمثل أداء ماافترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وماترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ولابدله منه »
فقد ذكر في هذا الحديث أن التقرب إلى الله تعالى على درجتين : إحداهما التقرب إليه بالفرائض . والثانية هي التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض .
فالأولى درجة « المقتصدين » الأبرار أصحاب اليمين . والثانية درجة « السابقين » المقربين ، كما قال الله تعالى : ﴿ إن الابرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون ، تعرف في وجوههم نضرة النعيم ، يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما : يمزج لأصحاب اليمين مزجاً ، ويشربه المقربون صرفاً .
وقد ذكر الله هذا المعنى في عدة مواضع من كتابه ، فكل من آمن بالله
(1) أخرجه البخاري: في الرقاق — باب التواضع: 11/ 340 — 341 فتح الباري.
= البيهقي: في «الأربعون الصغرى المخرجة في أحوال عباد الله تعالى وأخلاقهم» ص 38.
= ومن طرق أخرى عن أنس بن مالك عند البغوي في شرح السنة: 5/ 22 وانظر التعليق على شرح السنة وانظر شرح الحديث في جامع العلوم والحكم لابن رجب صفحة 337 وما بعدها.
(2) المطففين: 22 — 26.
(3) انظر تفسير الطبري: 30/ 108.
ورسوله واتقى الله فهو من أولياء الله .
والله سبحانه قد أوجب موالاة المؤمنين بعضهم لبعض ، وأوجب عليهم معاداة الكافرين . فقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا : لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لايهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون : نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ماأسروا في أنفسهم نادمين . ويقول الذين آمنوا : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ؟ حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ، ياأيها الذين آمنوا : من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ﴾
فقد أخبر سبحانه أن ولي المؤمن هو الله ورسوله وعباده المؤمنون ، وهذا عام في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة ، سواء كان من أهل نسبه أو بلده أو مذهب أو طريقة أو لم يكن ، وقال الله تعالى : ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ وقال تعالى : ﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ﴾
(1) كقوله تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم». سورة يونس: الآيتان (62، 63).
= وقوله تعالى: ﴿إن أولياؤه إلا المتقون﴾ الأنفال، الآية (34).
(2) عن الولاء والبراء في الاسلام. انظر في مجموعة التوحيد رسالتين عن: حكم موالاة أهل الشرك ص 224 — 239، بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الاشراك للشيخ حمد بن عتيق ص 240 — 290. وانظر: طريق الدعوة في ظلال القرآن: 1/ 59 — 73، الولاء والبراء في الاسلام للشيخ محمد سعيد القحطاني.
(3) المائدة: 51 — 56.
(4) التوبة: 71
﴿سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم . والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ وقال تعالى : ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين . إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ، واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾
وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال . « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » وفي الصحاح أيضاً أنه قال : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، وشبك بين أصابعه » وفي الصحاح أيضاً أنه قال : « والذي نفسي
(1) الأنفال: 71 — 75.
(2) الحجرات: 9 — 10.
(3) أخرجه البخاري: في الأدب — باب: رحمة الناس والبهائم: 10/ 438.
= ومسلم: في البر والصلة والآداب — باب: تراحم المؤمنين وتعاضدهم برقم (66 و67) 4/ 1999 — 2000 وأحمد: 4/ 268، 270، 274، 276، 278، 375.
(4) أخرجه البخاري: في الصلاة — باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره: 1/ 565 فتح الباري وأخرجه في المظالم برقم (2446).
= ومسلم: في البر والصلة والآداب — باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم: 4/ 1999 برقم (2585).
= والترمذي: في البر — باب: ما جاء في شفقة المسلم على المسلم: 6/ 55 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي: في الزكاة — باب: أجر الخازن إذا تصدق بإذن مولاه: 5/ 79 عن أبي موسى. وأحمد: 4/ 404، 405، 409.
بيده لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه » وقال ﷺ : « المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه » وأمثال هذه النصوص في الكتاب والسنة كثيرة .
وقد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، وجعلهم إخوة ، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين ، وأمرهم سبحانه بالإئتلاف ونهاهم عن الافتراق والاختلاف ، فقال : ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ وقال : ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ، إنما أمرهم إلى الله﴾ الآية .
فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف ، حتى يوالي الرجل
(1) أخرجه البخاري: في الإيمان — باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه: 1/ 56 — 57 فتح الباري، ومسلم: في الإيمان — باب: الدليل على أن من خصال الايمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير برقم: (71 و72) 1/ 67.
= والترمذي: في صفة القيامة: 7/ 318 وقال: هذا حديث صحيح.
= وابن ماجة: في المقدمة — باب: في الإيمان برقم (66) 1/ 26.
= والنسائي: في الايمان — باب علامة الايمان: 8/ 115.
= والدارمي: الرقاق — باب: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه: 2/ 307.
= وأحمد: 1/ 89، 3/ 176، 206 وفي مواضع أخرى.
= والبغوي: في شرح السنة: 13/ 60 والبيهقي في شعب الايمان: انظر: مختصر شعب الايمان للبيهقي: تأليف: أبي القاسم القزويني ص 103 — 104 تحقيق الأرناؤوط. وأخرجه الطيالسي وأبو عوانة في صحيحه. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1/ 114 — 115 برقم (73).
(2) أخرجه البخاري: في المظالم — باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه: 5/ 97 فتح الباري وفي الاكراه برقم (2442). ومسلم: في البر والصلة والآداب — باب: تحريم الظلم برقم (2578) 4/ 1996 وأبو داود: في الأدب — باب: الستر على المسلم: 4/ 220 من مختصر المنذري.
= والترمذي: في الحدود — باب: ما جاء في الستر على المسلم. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر: 4/ 692 تحفة.
= وأحمد: 2/ 91 — 4/ 104.
= والبغوي: في شرح السنة: 13/ 130 عن أبي هريرة.
(3) آل عمران: 102.
(4) الأنعام: 159.
طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى ، بلا برهان من الله تعالى . وقد برّأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا .
فهذا فعل أهل البدع ، كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء مَن خالفهم .
وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله ، وأقل مافي ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه .
وانما الواجب أن يقدّم من قدمه الله ورسوله ، ويؤخر من أخره الله ورسوله ويحب ماأحبه الله ورسوله ويبغض ماأبغضه الله ورسوله ، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله ، وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله ، وأن يكون المسلمون يداً واحدة ، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره ، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة ، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين فليس كل من أخطأ يكون كافراً ولا فاسقاً ، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول ﷺ والمؤمنين : ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وثبت في الصحيح أن الله قال : قد فعلت .
(1) البقرة: 286.
(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت «لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله» اشتد ذلك على القوم فقالوا يارسول الله: إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا! هلكنا! فأنزل الله عز وجل «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» الآية إلى قوله: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ قال الله: نعم «ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا» إلى آخر الآية. قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ قال الله عز وجل: نعم. [تفسير الطبري: 5/ 104 وعزاه المحقق للامام أحمد في المسند: 2/ 412 طبع الحلبي، ومسلم: 1/ 46 — 47 وابن حبان في صحيحه (139) ونقله ابن كثير عن رواية المسند وأشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح من رواية مسلم وذكره السيوطي وزاد نسبته لأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم ولم ينسبه لصحيح ابن حبان] شاكر: 5/ 104.
= وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء» دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من قبل، فقال رسول الله ﷺ: سمعنا وأطعنا =
لاسيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام ، مثل أن يكون مثلكم على مذهب « الشافعي » أو منتسباً إلى الشيخ « عدي » ثم بعد هذا قد يخالف في شيء وربما كان الصواب معه ، فكيف يُستحلّ عرضه ودمه أو ماله ؟ مع ماقد ذكر الله تعالى من حقوق المسلم والمؤمن ! .
وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ؟ .
وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها ، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها ، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله ، كما قال تعالى : ﴿ومن الذين قالوا : إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به ، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾
فمتى ترك الناس بعض ماأمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء ، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا ، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا ، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب .
وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال تعالى : ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم
= وسلَّمنا. قال فألقى الله عز وجل الإيمان في قلوبهم. قال فأنزل الله عز وجل: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه» قال أبو كريب: فقرأ: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» قال: فقال: قد فعلت، «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به» قال: قد فعلت «واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين» قال: قد فعلت: الطبري في التفسير 5/ 105 و144.
= الحاكم: في المستدرك: 2/ 286 وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 وزاد نسبته للترمذي.
= والنسائي وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات. تعليق محمود شاكر على الطبري 5/ 105.
(1) المائدة: 14.
بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ فمن الأمر بالمعروف : الأمر بالائتلاف والاجتماع ، والنهى عن الاختلاف والفرقة ، ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله تعالى .
فمن اعتقد في بشر أنه إله ، أو دعا ميتاً ، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية ، وتوكل عليه أو سجد له ، فإنه يستتاب . فإن تاب وإلا ضربت عنقه .
ومن فضل أحداً من « المشايخ » على النبي ﷺ ، أو اعتقد أن أحداً يستغني عن طاعة رسول الله ﷺ ، استتيب . فإن تاب وإلا ضربت عنقه .
وكذلك من اعتقد أن أحداً من « أولياء الله » يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى عليه السلام ، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه . لأن الخضر لم يكن من أمة موسى عليه السلام ، ولا كان يجب عليه طاعته ، بل قال له : إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه ، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه . وكان مبعوثاً إلى بني اسرائيل . كما قال نبينا ﷺ : « وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة »
(1) آل عمران: 102 — 104.
(2) عقيدة أهل السنة والجماعة أن لانفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء، (انظر شرح العقيدة الطحاوية ص 581 — 583).
(3) أخرجه البخاري في التفسير 8/ 409، ومسلم في الفضائل برقم (2380) 4/ 1847 — 1850.
(4) قطعة من حديث الخصائص عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
= وهو حديث متواتر أخرجه البخاري في أول كتاب التيمم الباب الأول: 1/ 436 فتح الباري. وفي كتاب الصلاة، وفي بدء الخلق، والأنبياء.
= ومسلم: في المساجد: برقم (521) 1/ 370 — 371. =
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين : إنسهم وجنهم . فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله .
وكذلك من كفّر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم ، ببدعة ابتدعها ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله ، فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ، ولو بالقتل أو القتال . فإنه إذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف ، وأكرم المتقون من جميع الطوائف ، كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله ﷺ . وتصلح أمر المسلمين .
ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا على عامتهم ، ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر ، فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله ، وينهونهم عما نهى الله عنه ورسوله ﷺ .
وهي الصلوات الخمس في مواقيتها ، وإقامة الجمعة والجماعات من الواجبات
= والترمذي: عن أبي هريرة في السير — باب ما جاء في الغنيمة بلفظ: (فضلت على الأنبياء بسِت... وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون) وقال حديث حسن صحيح: 5/ 160 — 161 من تحفة الأحوذي.
= والنسائي: في الغسل والتيمم — باب التيمم بالصعيد 1/ 210 — 211.
= والدارمي: في الصلاة — باب الأرض كلها طهور 1/ 232 — 233، وفي السير 2/ 224 ومالك في الموطأ برقم: 418، 472.
= والامام أحمد: في المسند 1/ 98، 158 وفي مواضع كثيرة.
= وأخرجه الآجري عن علي بن أبي طالب في الشريعة وعن ابن عباس صفحة 498 — 499.
= وابن حبان عن أبي ذر برقم (200) ص 76 من موارد الظمآن.
= والبغوي في شرح السنة: 13/ 196 وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي 7/ 258 — 259.
(1) لشيخ الاسلام رسالة في عموم بعثة النبي ﷺ للانس والجن اسمها: ايضاح الدلالة في عموم الرسالة وهي في مجموع الفتاوى: 19/ 9 — 65 وقد نشرها محمد منير الدمشقي في مجموعة الرسائل المنيرية 2/ 97 — 152.
والسنن الراتبات : كالأعياد ، وصلاة الكسوف ، والاستسقاء ، والتراويح وصلاة الجنائز ، وغير ذلك . وكذلك الصدقات المشروعة ، والصوم المشروع ، وحج البيت الحرام . ومثل الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والايمان بالقدر خيره وشره ، ومثل الإحسان ، وهو أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
ومثل سائر ماأمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة ، ومثل إخلاص الدين لله ، والتوكل على الله ، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، والرجاء لرحمة الله والخشية من عذابه ، والصبر لحكم الله ، والتسليم لأمر الله ، ومثل صدق الحديث ، والوفاء بالعهود ، وأداء الأمانات إلى أهلها ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والتعاون على البر والتقوى ، والاحسان إلى الجار واليتيم والمسكين ، وابن السبيل والصاحب والزوجة والمملوك ، والعدل في المقال والفعال ، ثم الندب إلى مكارم الأخلاق ، مثل أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، قال الله تعالى : ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لايحب الظالمين . ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل ، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم . ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾
وأما « المنكر » الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله ، وهو أن يدعو مع الله إلهاً آخر ، إما الشمس وإما القمر أو الكواكب ، أو مَلَكاً من الملائكة أو نبياً من الأنبياء : أو رجلاً من الصالحين أو أحداً من الجن أو تماثيل هؤلاء أو قبورهم ، أو غير ذلك مما يُدعى من دون الله تعالى ، أو يستغاث به أو يسجد له ، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله .
(1) الشورى: 40 — 43.
وقد حرَّم الله قتل النفس بغير حقها ، وأكل أموال الناس بالباطل إما بالغصب وإما بالربا أو الميسر ، كالبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول الله ﷺ ، وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين ، وتطفيف المكيال والميزان ، والإثم والبغي بغير الحق .
وكذلك مما حرمه الله تعالى ، أن يقول الرجل على الله مالا يعلم ، مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لايعلم صحتها ، أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسوله ﷺ ، سواء كانت من صفات النفي والتعطيل ، مثل قول الجهمية : إنه ليس فوق العرش ولا فوق السموات ، وأنه لايرى في الآخرة ، وأنه لايتكلم ولا يحبُّ ، ونحو ذلك مما كذبوا به على الله ورسوله ، أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل ، مثل من يزعم أنه يمشى في الارض أو يجالس الخلق ، أو أنهم يرونه بأعينهم أو أن السموات تحويه وتحيط به ، أو أنه سارٍ في مخلوقاته ، إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله .
وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ، كما قال تعالى : ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله﴾ فإن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات ، فأحدث لهم الشيطان عبادات ضاهاها بها ، مثل أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له ، فشرع لهم شركاء ، وهي عبادة ماسواه والإشراك به ، وشرع لهم الصلوات الخمس وقراءة القرآن فيها والاستماع له ، والاجتماع لسماع القرآن خارج الصلاة أيضاً ، فأول سورة أنزلها على نبيه ﷺ : ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ أمر في أولها بالقراءة ، وفي آخرها بالسجود ، بقوله تعالى : ﴿واسجد واقترب﴾
ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن ، وأعظم الأفعال السجود لله وحده لاشريك له ، وقال تعالى : ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان
(1) الشورى: 21.
(2، 3) العلق: الآيتان الأولى والأخيرة.
مشهوداً﴾ وقال تعالى : ﴿وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾
وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون ، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى رضي الله عنهما : ذكرنا ربنا . فيقرأ وهم يستمعون ، ومر النبي ﷺ بأبي موسى رضي الله عنه وهو يقرأ ، فجعل يستمع لقراءته ، فقال : ياأبا موسى : مررت بك البارحة فجعلت استمع لقراءتك » فقال : لو علمت لحبرته لك تحبيراً وقال : « لله. أشدُّ أذناً » أى استماعاً « إلى الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القيْنَةِ إلى قينته »
وهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشايخ ، كمعروف الكرخي والفضيل بن عياض ، وأبي سليمان الداراني ، ونحوهم . وهو سماع المشايخ
(1) الاسراء: 78.
(2) الأعراف: 204.
(3) والطبراني وأبو يعلى، انظر مجمع الزوائد 7/ 171، 9/ 359.
(4) رواه ابن ماجة في اقامة الصلاة — باب في حسن الصوت بالقرآن برقم (1340) قال في الزوائد: إسناده حسن وصححه الحاكم على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بأنه منقطع: 1/ 571، وصححه ابن حبان، موارد الظمآن ص (172).
(5) معروف بن فيروز الكرخي، الصالح المشهور، أحد أعلام الزهاد، وهو من موالي علي بن موسى الكاظم، ولد في كرخ بغداد ونشأ بها وتوفي فيها سنة مئتين وكان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدبهم وهو صبي فكان يقول له ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الواحد فضربه المعلم على ذلك ضرباً مبرحا فهرب منه، وكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أي دين شاء فنوافقه عليه، ثم إنه أسلم على يد علي بن موسى فرجع إلى أبويه فدق الباب فقيل له: من بالباب؟ فقال: معروف، فقيل له على أي دين؟ فقال على الإسلام فأسلم أبواه. [وفيات الأعيان: 5/ 231 — 233، مختصر طبقات الحنابلة 253 — 255، تاريخ بغداد: 13/ 199 — 208، الأعلام: 7/ 269].
(6) الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي الطالقاني الأصل، أبو علي، شيخ الحرم المكي، ولد سنة خمس ومئة بسمرقند، وهو من أكابر العباد الصلحاء، كان ثقة في الحديث، أخذ عنه خلق كثير منهم الشافعي، ومناقبه كثيرة توفي سنة سبع وثمانين ومئة بمكة. [وفيات الأعيان: 4/ 47 — 50، حلية الأولياء: 8/ 84، تهذيب التهذيب: 8/ 264 — 267، الأعلام: 5/ 153].
(7) عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي المذحجي، أبو سليمان الداراني (نسبة إلى داريا وهي قرية بغوطة =
المتأخرين الأكابر ، كالشيخ عبد القادر ، والشيخ عدي بن مسافر ، والشيخ أبي مدين ، وغيرهم من المشايخ رحمهم الله .
وأما المشركون فكان سماعهم كما ذكره الله تعالى في كتابه ، بقوله تعالى : ﴿وماكان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ قال السلف : المكاء الصفير . والتصدية التصفيق باليد ، فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون يتخذون ذلك عبادة وصلاة ، فذمَّهم الله على ذلك ، وجعل ذلك من الباطل الذي نهى عنه .
فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم ، وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ ، ولا فعله أكابر المشايخ .
وأما سماع الغناء على وجه اللعب ، فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان كما جاءت به الآثار ، فإن دين الإسلام واسع لاحرج فيه .
= دمشق (الشام) رحل إلى بغداد وأقام بها مدة ثم عاد إلى الشام وتوفي في داريا عام خمس عشرة ومئتين، وكان أحد العباد الصالحين والزهاد المتعبدين، وله أخبار كثيرة في هذا.
= [وفيات الأعيان: 3/ 363، تاريخ بغداد: 10/ 248، حلية الأولياء: 9/ 254، تقريب التهذيب: 1/ 483، الأعلام: 3/ 293 — 294].
(1) عبد القادر بن موسى وقيل ابن عبد الله: محي الدين الجيلاني من كبار الزهاد، ولد في جيلان سنة احدى وسبعين وأربعمئة وانتقل إلى بغداد فتفقه وسمع الحديث، وكان يأكل من عمل يده، وله أخبار كثيرة، وتوفي في بغداد سنة احدى وستين وخمسمئة. [شذرات الذهب: 4/ 198 — 208، الأعلام: 4/ 47].
(2) انظر ترجمته في صفحة: (82)
(3) الأنفال: 35.
(4) انظر تفسير ابن كثير: 2/ 307 — 308.
(5) انظر في موضوع السماع بحثاً لابن القيم في: اغاثة اللهفان من مكايد الشيطان: 1/ 224 — 267 وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لابن حجر الهيثمي المكي في الجزء الثاني من الزواجر عن اقتراف الكبائر ص 269 وما بعدها — مطبعة الحلبي بمصر.
= وكتاب: اسكات الرعاع بأدلة تحريم الغناء والسماع للشيخ محمد أحمد باشميل والإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام للشيخ صالح الفوزان صفحة 73 — 102 مطبوعات جامعة الامام محمد بن سعود بالرياض.
وعماد الدين الذي لايقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات ، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها مالا يجب من الاعتناء بغيرها . كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله : إن أهمَّ أمركم عندي الصلاة ، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيَّعها كان لما سواها من عمله أشدَّ إضاعة .
وهي أول ماأوجبه الله من العبادات ، والصلوات الخمس تولى الله ايجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج ، وهي آخر ماوصى به النبي ﷺ أمته وقت فراق الدنيا ، جعل يقول : « الصلاة الصلاة ! وماملكت أيمانكم ! » وهي أول مايحاسب عليه العبد من عمله ، وآخر مايفقد من الدين . فإذا ذهبت ذهب الدين كله ، وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين .
قال النبي ﷺ « رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله » وقد قال الله في كتابه : ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة
(1) كانت فرضية الصلاة ليلة المعراج كما ثبت في صحيح البخاري: في الصلاة — باب كيف فرضت الصلوات في الاسراء: 1/ 458 — 459 ومسلم في الايمان: باب الاسراء برسول الله ﷺ 1/ 145 — 147 والنسائي: 1/ 76 من حديث مالك بن صعصعة.
= وفي سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) كتاب الوصايا — باب: هل أوصى رسول الله ﷺ برقم (2697) 2/ 900 — 901 والامام أحمد في المسند: 3/ 117.
(2) قطعة من حديث معاذ رضي الله عنه أخرجه الترمذي واللفظ له في الايمان — باب ما جاء في حرمة الصلاة 7/ 362 — 365 وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه في فضائل الجهاد أيضاً. وابن ماجة في الفتن — باب كف اللسان في الفتنة برقم (3973) 2/ 1314 — 1315 والامام أحمد في المسند: 5/ 231، 234، 235، 237، 245، 246 وعزاه المباركفوري في التحفة: 7/ 365 للنسائي.
= قال ابن رجب: بعد أن نقل تصحيح الترمذي: وفي ما قاله رحمه الله نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وان كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمة كأحمد وغيره يستدلون على إنتفاء السماع بمثل هذا.
= وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء قد أدركه وكان بالكوفة وأبو الدرداء بالشام. يعني أنه لم يصح منه سماع، وقد حكى أبو زرعة الرازي الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر أو =
= نفوه، فسماعه من معاذ أبعد.
واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره : إضاعتها تأخيرها عن وقتها ، ولو تركوها كانوا كفاراً . وقال تعالى : ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ والمحافظة عليها : فعلها في أوقاتها ، وقال تعالى : ﴿فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت .
وقد اتفق المسلمون على أنه لايجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل ولا تأخير صلاة الليل إلى النهار ، لالمسافر ولا لمريض ولا غيرهما . لكن يجوز عند الحاجة أن يجمع المسلم بين صلاتي النهار وهي الظهر والعصر في وقت إحداهما ، ويجمع بين صلاتي الليل وهي المغرب والعشاء في وقت إحداهما ، وذلك لمثل المسافر والمريض وعند المطر ، ونحو ذلك من الاعذار .
وقد أوجب الله على المسلمين أن يصلوا بحسب طاقاتهم ، كما قال الله تعالى : ﴿فاتقوا الله ماستطعتم﴾ فعلى الرجل أن يصلي بطهارة كاملة وقراءة
= والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر بن حوشب عن معاذ، خرّجه الامام أحمد مختصرا. قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب، لأن الحديث معروف من رواية شهر على الاختلاف فيه. قلت: أي ابن رجب —: رواية شهر عن معاذ مرسلة يقيناً وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه... جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 255.
(1) مريم: 59.
(2) أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) قال: ليس إضاعتها تركها، قد يضيع الانسان الشئ ولا يتركه ولكن اضاعتها إذا لم يصلها لوقتها. وأخرج سعيد بن منصور عن ابراهيم قال: صلوها لغير وقتها.
= وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن القاسم بن مخيمرة قال: أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا.
= وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عن عمر بن عبد العزيز قال: لم يكن اضاعتها تركها ولكن أضاعوا المواقيت. انظر: الدر المنثور للسيوطي: 5/ 526.
(3) البقرة: 238.
(4) الماعون: 4 — 5.
(5) التغابن: 16.
كاملة ، وركوع وسجود كامل ، فإن كان عادماً للماء ، أو يتضرر باستعماله لمرض أو برد أو غير ذلك ، وهو محدث أو جنب يتيمم الصعيد الطيب ، وهو التراب ، يمسح به وجهه ويديه ويصلي ، ولا يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء .
وكذلك إذا كان محبوساً أو مقيداً أو زَمِنَاً أو غير ذلك صلّى على حسب حاله ، وإذا كان بازاء عدوه صلى أيضاً صلاة الخوف ، قال الله تعالى : ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً . وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ إلى قوله : ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ إلى قوله : ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا﴾
ويجب على أهل القدرة من المسلمين أن يأمروا بالصلاة كل أحد من الرجال والنساء حتى الصبيان . قال النبي ﷺ « مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم على تركها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع »
(1) النساء: 101 — 103.
(2) أخرجه أبو داود في الصلاة — باب: ما يؤمر الغلام بالصلاة: 1/ 270 — 271 عن سبرة بن معبد الجهني وعن عمرو بن شعيب.
= والترمذي: في المواقيت — باب: متى يؤمر الصبي بالصلاة: 2/ 445 — 446 وقال: حديث سبرة بن معبد الجهني حديث حسن صحيح.
= وأحمد في المسند: 2/ 180، 187.
= والدارقطني: في الصلاة — باب: الأمر بتعليم الصلوات والضرب عليها: 1/ 230.
= والحاكم: 1/ 197 وقال: صحيح على شرط مسلم.
= والبغوي في شرح السنة: 2/ 406.
= قال الزيلعي في نصب الراية: 1/ 296: ورواه العقيلي في الضعفاء، وليَّن سوار بن داود. قال صاحب التنقيح: وسوار بن داود، أبو حمزة البصري وثقه ابن معين وابن حبان، وقال أحمد: شيخ بصري لابأس به انتهى. وله طريق أخرى عند ابن عدي في الكامل أخرجه عن الخليل بن مرة عن ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب به، وليَّن الخليل ابن مرة، ونقل عن البخاري أنه قال: فيه نظر، قال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه فليس بمنكر الحديث. وانظر أيضاً: التلخيص الحبير: 1/ 279.
والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها ، فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . فمن العلماء من يقول : يكون مرتداً كافراً لايصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين . ومنهم من يقول يكون كقاطع الطريق وقاتل النفس ، والزاني المحصن .
وأمر الصلاة عظيم شأنها أن تذكر ههنا ، فإنها قوام الدين وعماده ، وتعظيمه تعالى لها في كتابه فوق جميع العبادات ، فإنه سبحانه يخصها بالذكر تارة ، ويقرنها بالزكاة تارة ، وبالصبر تارة ، وبالنسك تارة ، كقوله تعالى : ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وقوله : ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ وقوله : ﴿فصل لربك وانحر﴾ وقوله : ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ وتارة يفتتح بها أعمال البر ويختمها بها ، كما ذكره في سورة ( سأل سائل ) وفي أول سورة « المؤمنين » قال تعالى : ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون ، والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ، والذين هم على صلواتهم يحافظون ، أولئك هم الوارثون ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، والحمد لله وحده . وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً .
❊ ❊ ❊
(1) انظر: المغني لابن قدامة: 2/ 442.
(2) البقرة: 43 و83 و160 والنساء: 77 والنور: 56 والمزمل: 20.
(3) البقرة: 45.
(4) الكوثر: 2
(5) الأنعام: 162.
(6) المعارج: 19 — 35.
(7) المؤمنون: 1 — 11.